3-أنّ الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ في بنائه سَدّ الذّرائع على مآلات الأفعال يَلْتَقِي مع البانين سَدّ الذّرائع على المقاصد ؛ لأنّ حُكْم الذريعة عنده يَتَوَقَّف على ما تَؤُول إليه ، وهذا المآل لن يخرج عن كَوْنه مَصْلَحَةً أو مَفْسَدةً ، وهذه هي مَقاصد الشَّرْع مِن تشريع الأحكام: إمَّا جَلْب مصلحة أو دَفْع مَفْسَدة .
4-أنّ بناء الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ سَدّ الذّرائع على سَبْق القصد إلى الممنوع يَجْعَل العِبرة بالنِّيّات لا بالألفاظ ، وأنّ نِيَّته مُعْتَبَرة دُون اعتبار لِلمآل أو المَقاصد ..
وفيه نَظَرٌ ؛ لأنّه يُخْرِج مَن أَتَى وسيلةً لِلحرام ولم يَقْصدْه بإتيانه
هذه الوسيلة ، فلا تَكون مُحَرَّمةً ولا يجب سَدّها ، وليس كذلك .
5-أنّ بناء سَدّ الذّرائع على المَقاصد الشَّرْعيَّة أو مآلات الأفعال يَجعل حُكْم الذريعة متوقِّفًا على ما تُفْضِي إليه ، ولا عِبرة بنيّة الفاعل ولا بقصده عند إتيان الذريعة أو الوسيلة ؛ فقَدْ يَكون الفعل حلالًا لكنّه يُفْضِي إلى الحرام ، فيُحَرَّم حينئذٍ .
6-أنّي أُرَجِّح بناء سَدّ الذّرائع على مقدمة الحرام ؛ فكُلّ ما كان سببًا لِلحرام كان حرامًا ، تمامًا كما هو الحال في الواجب وقياسًا عليه فـ ( ما لا يَتِمّ الواجب إلا به فهو واجب ) ، أو كما أسماه بعض الأصوليّين بـ"مقدمة الواجب" (1) .
(1) يُرَاجَع: حقائق الأصول 1/233 ، 234 والإبهاج 1/112 ، 113 ونهاية السول 1/135 ، 136 ومعراج المنهاج 1/93 ، 94 والعدّة 1/159 والتمهيد لِلكلوذاني 1/64 والبحر المحيط لِلزركشي 1/176 وشَرْح الكوكب المنير 1/340
المطلب الرابع
سَدّ الذّرائع عند الأصوليّين
والمراد بهذا المطلب: تحديد مكانة سَدّ الذّرائع ومَوْقِعها عند الأصوليّين ، الذين يُمْكِن تقسيمهم في هذا المقام إلى أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنّها ليست دليلًا مِن الأدلّة ولا أصلًا مِن أصول الشريعة ..