أنها لم تكن أشد خسّة مما كانت تتصف به معظم حكومات تلك الأيام. ولم تكن شرائع الولايات البابوية أقل شدة من شرائع غيرها من الدول، فكان مندوبو البابوات يشنقون اللصوص ومزيّفي النقود ويرون هذا شرًا مريرًا لابد للحكومات أن تسلكه. وكان معظم البابوات يعيشون معيشة بسيطة إلى الحد الذي تجيزه المظاهر والحفلات الرسمية الفخمة التي تتطلبها مناصبهم في زعمهم؛ وإن أسوأ القصص التي نقرأها عنه لهي أقاصيص غير مستندة إلى أساس صادق أذاعها عنهم هجّاءون غير مسئولين مثل برني Berni، أو طلاب المناصب الذين لم ينالوا بغيتهم أمثال أرتينو Artino، أو عملاء السلطات مثل آل إنفسورا Infessura المعادين للبابوية عدا شخصيًا عنيفًا أو عداء دبلوماسيًا. أما الكرادلة الذين كانوا يعرفون شئون الكنيسة الدينية والسياسية، فكانوا يرون أنفسهم شيوخًا في مجلس دولة غنية، وينظّمون حياتهم على أساس هذا الوضع، وشاد الكثيرون منهم لأنفسهم قصورًا فخمة، وناصر كثيرون غيرهم الآداب والفنون، وأباح بعضهم لأنفسهم الاتصال بالمحاظي والعشيقات، ولم يتحرجوا في اتباع القانون الأخلاقي السائد في أيام الاستهتار التي يعيشون فيها.
وواجه البابوات بوصفهم قوة روحية مشكلة التوفيق بين النزعة الإنسانية الأدبية وبين المسيحية. ولقد كانت النزعة الإنسانية نصف وثنية، وكانت الكنيسة قد أخذت على عاتقها اجتثاث أصول الوثنية وتقطيع فروعها، سواء كان ذلك في عقائدها أو في فنها. وكانت قد شجعت تدمير الهياكل والتماثيل الوثنية أو أباحت هذا التدمير. مثال ذلك أن كنيسة أرفيتو الكبرى كانت قد شُيّدت توًّا بالرخام الذي أخذ بعضه من كرارا وبعضه الآخر من الآثار الرومانية القديمة؛ وأن مندوبًا بابويًا باع كتل الرخام المأخوذة من الكلوسيوم لكي تحرق ويصنع منها الجير (6) ؛ وأن قصر البندقية قد بدء في تشييده في عام 1461 لا قبل بتدمير المدرج الفلافي. وقد استخدم نقولاس