والثانية: أنَّ حقَّ المعطوفِ والمعطوف عليه أنْ يَصْلحا لحلول كلّ منهما محلَّ الآخر، وضمير الجرّ غير صالح لحلوله محل ما يعطف عليه فامتنع العطفُ إلاّ مع إعادة الجارِّ.
وكلتا الحُجّتين ضعيفةٌ، أمّا الأولى: فيدُلُّ على ضعفها أنّ شبه ضمير الجرِّ بالتنوين لو مَنَع من العطف عليه لمنع من توكيده، والإبدال منه، لأنّ التنوين لا يؤكّد ولا يبدل منه، وضمير الجرِّ يؤكّد ويبدل منه بإجماع، فلِلْعَطْفِ أُسْوَةُ بهما.
وأمّا الثانيةُ: فَيدُلّ على ضعفها أنّه لو كان حلولُ كُلِّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه ـ يعني في محل الآخر ـ شرطًا في صِحّة العطف لم يجز:"رُبّ رجلٍ وأخيه"، ولا:
أيُّ فَتَى هَيْجَاءَ أنت وجارِها ... [1]
ولا"كلَّ شاةٍ وسَخْلتِها بدرهم"ولا:
الواهبُ المائةُ الهجانُ وعَبْدَها ... [2]
و"لا رجُلَ وامرأةً في الدار"، وأمثال ذلك من المعطوفات الممتنع تقديمُها وتأخير ما عطفت عليه كثير. فكما لم يمتنع فيها العطف لا يمتنع في نحو:"مررت بك وزيد". وإذا بطل كونُ ما تعلّلوا به مانعًا وجب الاعتراف بصحة الجواز.
(1) صدر بيت عجزه: * إذا ما رجالٌ بالرجالِ استقلَّتِ * في الكتاب، 1/244.
(2) للأعشى من قصيدة في مدح قيس بن معد يكرب الكندي. الديوان، ص 152. وعجزها: ... عُوذًا تُزَجَّى خلفَها أطفالَها
... ويقرأ صدرها بالكسر: * الواهبُ المائةِ الهجانِ وعبدِها * أي قرئي صدر البيت بالوجهين: بالنصب والجر.