وهو متابع في هذا لإجماع البصريين في امتناع العطف على الضمير المجرور دون إعادة الخافض.. وقد ردّ المبِّرد هذه القراءة فقال:"لا تحل القراءة بها" [1] ، ووافقه الزجاج فيما ذهب إليه بقوله:"القراءة الجيّدة نصب (الأرحامَ) ، أمَّا الخفض فخطأ في العربيّة، لا يجوز إلاَّ في اضطرار الشعر" [2] .
وقد ردّ ابن يعيش ما ذهب إليه المبِّرد، بقوله:"وهذا القول غير مرضِيِّ من أبي العباس؛ لأنّها قد رواها إمام ثقة، ولا سبيل إلى ردِّ نقل الثقة، مع أنّه قد قرأها جماعة من غير السبعة، كابن مسعود، والحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، وإذا صحّت الرواية، لم يكن سبيل إلى ردِّها" [3] .
ولهذا قال الإمام الرازي تعقيبًا على موقف البصريين من هذه القراءة بالذات:"إذا جوّزنا إثبات اللُّغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أوْلَى، وكثيرًا ما نرى النَّحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجُّب منهم، فإنّهم إذا جعلوا ورود القرآن دليلًا على صحتها كان أوْلَى" [4] .
فالجمهور على وجوب إعادة الجار إذا عُطِف على ضمير الجرّ: قال ابن مالك:"وإذا كان المعطوف عليه ضمير جرِّ لزم عند جميع النَّحويين إلاَّ يونس والفرّاء إعادة الجار، كقوله تعالى { فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ } [فصلت: 111] ."
وللملتزمين إعادة الجارّ حُجَّتان:
إحداهما: أنّ ضمير الجرِّ شبيه بالتنوين ومعاقبٌ له، فلم يجز العطف عليه، كما لم يجز العطف على التنوين.
(1) المرجع السابق، 78.
(2) معاني القرآن وإعرابه، 2/6.
(3) شرح المفصل، 3/78.
(4) تفسير الفخر الرازي، 3/193، والسفاقسي، علي النوري: غيث النفع في القراءات السبع بهامش سراج القارئ، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط/3، 1373هـ، 1954م، ص153.