وقد كان للإمام ابن الجزريّ موقف من هؤلاء المنكرين، وردّ عليهم ردًّا مناسبًا، وممَّا قاله:"ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحلُّ لمسلم القراءة بما يجد في الكتاب من غير نقل؟.. وقارئ الآية ـ ابن عامر ـ من كبار التابعين الذين أخذوا عن الصحابة، كعثمان وأبى الدرداء ـ رضي الله عنهما ـ، وهو مع ذلك عربي فصيح من صميم العرب، فكلامه حُجَّة وقوله دليل" [1] . وكيف يجوز لهؤلاء أنْ يتجرأوا طاعنين في قراءة سبعيّة، في الوقت الذي يجيز ابن جنِّي الفصل بالمفعول في الشعر؛ بل يرى أنّه دليل على قوّة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، أيّ:
زجّ أبى مزادة القلوص * [2]
ففصل بينهما بالمفعول به. هذا مع قدرته على أنْ يقول: زجَّ القلوصَ أبي مزادة، كقولك: سرني أكل الخبزِ زيدُ، وفي هذا البيت دليل على قوّة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنَّه في نفوسهم أقوى من إضافة المفعول [3] .
في الوقت الذي وقف الزّمخشريّ هذا الموقف من قراءة سبعيّة، كان بإمكانه أنْ يخرجها على وجه من وجوه العربيّة؛ بل كان الأوْلَى به أنْ يجعل القراءة أساسًا للقواعد النَّحويّة دون أنْ يوجهها على قواعد النّحاة التي استنبطوها من النصوص الشعريّة؛ بل ذهب إلى الطعن في القراءة ومهاجمة قارئها بما لا يجوز. وقد انتهج ابن مالك هذا المنهج السليم، وهو الاحتجاج بالقراءة، فأجاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والمفعول، وإليه أشار بقوله:
(1) النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، 2/263.
(2) قال الزّمخشريّ في مفصله ص:102"وما يقع في بعض نسخ الكتاب: فزججتها بمزجة... البيت* فسيبويه بريء من عهدته". أراد أنَّ سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه؛ بل زاده غيره، وذلك لأنَّ سيبويه لا يرى الفصل بغير الظرف.. وما أورده خلاف مذهبه.
(3) ابن جنّي، عثمان ابن جنّي: الخصائص، تحقيق محمد على النجار، المكتبة العلميّة، (د. ط. ت) ، 2/406.