وأهل هذه الطبقة يختلفون، فمنهم مَن سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم مَن تنازعه نفسه وهو مليء بمجاهدتها.
الطبقة الثانية: تائب قد سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه؛ لا عن عمد، ولكنه يُبتَلى بها في مجاري أحواله من غير أن يُقدِّم عزمًا على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئًا منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها؛ فهذه هي النفس اللوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة.
وهذه رتبة عالية أيضًا، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهي أغلب أحوال التائبين.
وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله سبحانه إذ قال تعالى: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } [النجم: 32]
الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيُقدِم عليها لعجزه عن قهر الشهوة؛ إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب.. فهذه النفس تسمى المسئولة، وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم: { وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا } [التوبة: 102] فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجو لقوله تعالى: { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 102] وعاقبته خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يُختَطَف قبل التوبة؛ فإن الأعمال بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نَفَس يمكن أن يتصل به الموت فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع المحذور.
إلى كم أقولُ ولا أفعلُ ... وكم ذا أحومُ ولا أنزلُ