يتعارض و ظاهر القرآن ، و لا يتّفق مع ما لله من جلالٍ و كمالٍ ، و أنّ إحياء هذه اللّيلة - جماعةً - في المساجد فيه خلافٌ [ بين ] العلماء ؛ فمنهم من أنكره ، و منهم من أقرّه ؛ مع اعترافهم بضعف الأحاديث الواردة بفضلها ؛ ذهابًا منهم إلى أنّ الأحاديث الضّعيفة يؤخذ بها في فضائل الأعمال [1] .
(1) قد علمت ممّا نقلته - آنفًا - عن شيخ الإسلام ( ابن تيميّة ) أنّ العلماء اختلفوا في أحاديث فضل ليلة النّصف ، و أنّ الأكثريّة على تفضيلها ؛ و هو الحقّ ؛ لثبوت بعض الأحاديث فيها ؛ فنسبة المؤلّف تضعيف تلك الأحاديث إلى العلماء - إطلاقًا - ليس كما ينبغي ؛ على أنّه لا يلزم من ذلك - أعني: من ثبوت فضلها - أن نخصّصها بصلاةٍ خاصّةٍ لم يخصّها الشّارع الحكيم بها ؛ بل ذلك كلّه بدعةٌ يجب اجتنابها ، و التّمسّك بما كان عليه الصّحابة و السّلف الصّالح - رضي الله عنهم - .
و رحم الله القائل:
و كلّ خيرٍ في اتّباع من سلف
و كلّ شرٍّ في ابتداع من خلف
= و لذلك ؛ فقد أحسن المؤلّف حين قال: (( أمّا إحياء الإنسان . . . إلى قوله بدعة ) )؛ ذلك لأنّ إحياءها على هذه الصّورة ليس فيه محظور التّشريع من عند نفسه ؛ لما عُلم من حضّ الشّارع على قيام اللّيالي - مطلقًا - ، و هذه منها ؛ و لذلك فإنّي أقول:
لو كانت تلك الأحاديث كلّها ضعيفةً - كما يذهب إليه صاحب الرّسالة - لما ساغ القول بالعمل بها ؛ و ذلك لسببين:
الأوّل: أنّ النّصوص الّتي أشرنا إليها في الحضّ على قيام اللّيل - مطلقًا - تغنينا عن الأحاديث الضّعيفة الخاصّة ؛ و من هذه النّصوص قوله - صلّى الله عليه و سلّم -: (( أيّها النّاس ؛ أفشوا السّلام ، و أطعموا الطّعام ، و صِلُوا الأرحام ، و صلّوا باللّيل و النّاس نيام ؛ تدخلوا الجنّة بسلام ) )؛ أخرجه: التّرمذيّ ، و صحّحه ، و الدّارميّ ، و ابن ماجه ، و ابن نصر ، و أحمد ، و الحاكم ؛ و قال: (( صحيحٌ على شرط الشّيخين ) )، و وافقه الذّهبيّ ؛ و هو كما قال .
السّبب الثّاني: أنّ للعمل بالحديث الضّعيف - عند من يجيزه - شروطًا ؛ يجب مراعاتها ؛ و قد غَفَل حتّى المشايخ عنها:
1 -ألاّ يكون الحديث موضوعًا .
2 -أن يعتقد العامل به كون ذلك الحديث ضعيفًا .
3 -ألاّ يُشهر ذلك ؛ لئلاّ يعمل المرء بحديثٍ ضعيفٍ فيشرع ما ليس بشرع ، أو يراه بعض الجهّال ؛ فيظنّ أنّه سنّةٌ صحيحة .
ذكر هذه الشّروط الحافظ ابن حجرٍ العسقلانيّ في رسالته"تبيين العجب بما ورد في فضل رجب"؛ ثمّ قال - عقبها - ( ص: 3 - 4 ) : (( و قد صرّح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمّد ابن عبد الملك ، و غيره ، و ليحذر المرء من دخوله تحت قوله - صلّى الله عليه و سلّم -: (( من حدّث عنّي بحديثٍ يرى أنّه كذب ٌ فهو أحد الكاذبين ) )؛ فكيف بمن عمل به ؟!؛ و لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام ، أو الفضائل ؛ إذ الكلّ شرع )) . =
= و إنّما قلت: (( عند من يُجيزه ) )؛ لأشير إلى أنّ هناك من يقول بعدم جواز العمل بالحديث الضّعيف - مطلقًا - ؛ و منهم: ابن حزمٍ ، و ابن العربيّ ، و غيرهما من العلماء المحقّقين ؛ كما ذكر ذلك الشّيخ جمال الدّين القاسميّ - رحمه الله - في"قواعد التّحديث"؛ و هو الحقّ الّذي أشار إليه الحافظ ابن حجرٍ - رحمه الله - - آنفًا - ؛ بقوله: (( لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام و الفضائل ؛ إذ الكلّ شرع ) ).
و إذا كان النّبيّ - صلّى الله عليه و سلّم - يحذّر أمّته من رواية الحديث الّذي لا يعلمون صحّته عنه ؛ بقوله: (( اتّقوا الحديث عنّي إلاّ ما علمتم ) )؛ صحّحه المُناويّ في"الفيض"؛ فبالأحرى أن ينهى - صلّى الله عليه و سلّم - أمّته عن العمل بالحديث الضّعيف الّذي لا يعلمون صحّته ؛ كما هو بيّنٌ لا يخفى .
و تلك فائدةٌ لا يعلمها كثيرٌ من النّاس ؛ أحببت أن لا أختم التّعليق على هذه الرّسالة - إن شاء الله - تعالى - - إلاّ بعد تقديمها لإخواني المسلمين ؛ على هذا الإيجاز ؛ مع العلم أنّ مجال القول فيها واسعٌ ؛ لكن ّ المكان لا يتّسع لأكثر من ذلك .
[ إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السّمع و هو شهيد ] .
و صلّى الله على نبيّنا محمّدٍ ؛ أفضل المرسلين ، و خاتم النّبيّين ، و على آله و صحبه أجمعين .
و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .
دمشق: 29 / 11 / 71
19 / 8 / 52 و كتبه:
ـــــــــ
محمّد ناصر الدّين نوح
الألبانيّ
أبو عبد الرّحمن