الصفحة 10 من 57

وفي"مصنف ابن أبي شيبة"عن جابر بن زيد: ما أرى أنْ يجمع بين الصّلاتين إلاّ من أمر. فجعل صاحب هذا القول الجد في السير مثالًا للعذر، والاعتبار بالعذر بأيّ وجه كان، ويقول الجمهور: السفر نفسه عذر ومظنة للرخصة فنيط الحكم بمجرده. والله أعلم.

القول الخامس: منع الجمع بعذر السفر مطلقًا وإنما يجوز للنسك بعرفة ومزدلفة، وهذا قول الحنفية، بل زاد أبوحنيفة على صاحبيه وقال: لا يجمع للنسك إلا إذا صلى في الجماعة، فإن صلى منفردًا صلى كل صلاة في وقتها. وقال أبويوسف ومحمد: المنفرد في ذلك كالمصلي جماعة.

وحكى ابن قدامة في"المغني"هذا عن رواية ابن القاسم عن مالك واختياره. وروى ابن أبي شيبة في"مصنفه"عن إبراهيم النخعي قال: كان الأسود وأصحابه ينْزلون عند وقت كل صلاة في السفر، فيصلون المغرب لوقتها، ثم يتعشون، ثم يمكثون ساعة، ثم يصلون العشاء.

وعن الحسن وابن سيرين أنّهما قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع. وعن عمر وأبي موسى أنّهما قالا: الجمع بين الصلاتين بغير عذر من الكبائر. وروي هذا مرفوعًا من حديث ابن عباس، رواه الترمذي، وهو ضعيف.

وأجاب هؤلاء عن أحاديث الجمع بأن المراد بها أن يصلي الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها وهذا مردود بوجهين:

أحدهما: أنه وردت الروايات مصرّحةً بالجمع في وقت إحداهما. فمنها ما تقدم من"صحيح مسلم"من حديث ابن عمر: جمع بيْن المغْرب والعشاء بعْد أن يغيب الشّفق. ومنها قوله في حديث أنس: أخّر الظّهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر، ثمّ يجمع بينهما. وحديث معاذ صريح في جمعي التقديم والتأخير في الظهر والعصر، وفي المغرب والعشاء. وهذه الأحاديث لا يمكن معها التأويل الذي ذكروه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت