فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعثَ إلى نِسائِهِ ، فقُلنَ: ما معنا إلا الماء ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"من يَضُم أو يُضِيفُ هذا ؟"فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا ، فانطلقَ بهِ إلى امرأتهِ . فقال: أكرمي ضيفَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما عندنا إلاَّ قُوتُ صبياني . فقال: هيِّئي طعامَكِ ، وأصلحي سراجَكِ ، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً . فهيَّأت طعامها ، وأصلحت سراجها ، ونوَّمت صبيانها ، ثمَّ قامت كأنَّها تُصلِحُ سراجها ، فأطفأتهُ ، فجعلا يُريانهِ انَّهُما يأكلان ، فباتا طاويينِ . فلما أصبحَ غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ:"ضَحِكَ اللهُ الليلةَ أو عَجِبَ [1] مِن فِعالِكُما"فأنزلَ اللهُ: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [2]
فأُفٍ لنفوسٍ ؛ لا تأخذ من مثل هذا الدروس !!
قال الحسن البصري: والله لقد رأيتُ أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه ، ولقد رأيتُ أقوامًا يُمسي أحدُهم ولا يجدُ عنده إلاَّ قوتًا ، فيقول: لا أجعل هذا كلَّه في بطني ، فيتصدَّق ببعضه ، ولعلّه أجوع إليه ممن يتصدق عليه !
فتبارك الله .. كيف صعدت هذه الهِمم بهم إلى القمم !!
يدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيته جائعًا ، وقد كان يتعاهد إبل الصدقة في الهاجرة ، فيأكل تمرة ويشرب عليها شيئًا من الماء ، ثم يمسح على بطنه ، ويقول: ويحٌ لمن أدخلَهُ بطنُه النارَ . [3]
واعجبًا ! يأكل تمرة ، وتحت يده أموال الدنيا تجبى إليه من المشارق والمغارب ! ثمَّ يخشى على بطنه من النار !!
(1) لله تعالى أن يضحك ويعجب كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .
(2) صحيح البخاري (4/600) (3798) .
(3) كتاب الجوع ـ ابن أبي الدنيا ـ ص 45 .