ثانيهما: أن النفس بطبيعتها تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود.
فالواعظ يجب أن يتمتع بصفات تساعده على التأثير: من لباقة في اللسان، ووجه ضاحك هادئ ،يوحي بالصفاء والارتياح، مع الأخذ بعين الاعتبار النفس البشرية بكل أطباعها، وما لها من تأثير على الموعوظ ،فهي طبعت على الميل إلى الحرية والواعظ يقيّدها، وعلى الانطلاق وراء الأمور والواعظ يمسكها. ومثل الموعوظ كمثل الصخرة الراسية بأعلى الجبل لا تحتاج إلا إلى زحزحتها، وإمالتها، حتى تتدحرج وتهوي، بلا مشقة ولا تعب. فإذا أردنا أن نُرجعها لاقَيْنا المتاعب والمشاق.
وهذا هو مثال الإنسان، يأتي رفاق السوء يدفعونه نحو الهاوية، فإذا جاء الواعظ صعب عليه الاستجابة إليه، ومقاومة ميول نفسه؛ لأن المعاصي لذيذة توافق طبيعة النفس، فالإنسان يجد لذة في سماع الغِبطة والمشاركة فيها، لأنه يشعر أنه خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل، والغش في الامتحان لذيذ؛ لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد ،وهو ما تهواه النفس وتتمنّاه، إلا أنه لا بد من الوعظ والقيد، ولو تركنا النفس تأتي ما تريد وتنطلق في حريتها كما تشاء لصار المجتمع في هرج كبير [1] .
لذا يجب أن تكون الموعظة موعظة مؤثرة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان وتهزّه هزًّا، وتثير كوامنه لحظة من الوقت، كالسائل الذي تُقلِّب رواسبه فتملأ كيانه، ولكنها إذا تركت ترسبت من جديد. لذلك لا تكفي الموعظة وحدها في التربية الأخلاقية إذا لم يكن بجانبها القدوة والوسط الذي يسمح بتقليد القدوة، ويشجع على الأسوة بها فتصبح الموعظة بذلك ذات أثر بالغ في النفس ،وتصبح دافعًا من أعظم الدوافع في تربية النفوس. [2]
(1) قطب, محمد, مرجع سابق: ص31، وسعد الدين،إيمان عبد المؤمن ،الأخلاق في الإسلام (النظرية والتطبيق) , مكتبة الرشد،الرياض،ط الأولى،1995م: ص71.
(2) سعد الدين, إيمان, مرجع سابق: ص69.