الصفحة 36 من 41

بل هم أنفسهم يعترفون بهذا يوم القيامة، قال تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} . [الملك: 10، 11] .

وهكذا فإنّ كل إنسان يتصرف تصرفًا سيئًا ليس بعاقل، فأولو الألباب هم أصحاب العقول السليمة الواعية. الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض.

وحاصل الأمر أن السلف الصالح رحمهم الله قد استعملوا الأقيسة والدلائل العقلية، ولم ينكروها بإطلاق، وإنما أنكروا ما كان منها فاسدًا مما يخالف الشرع، ويُعلم فساده، مما يتذرع به من يبطل بعض النصوص الشرعية، أو يحرّفها بحجة أنها تخالف القواطع العقلية، وهي في الحقيقة خيالات، وأوهام وشهوات.

ولهذا فإنّ تسمية هؤلاء بالعقليين فيه نوع تمجيد لهم، لأن الله امتدح أهل العقول الذين يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ويتّعظون بأحوال من سبقهم من الأمم، ويطيعون ربهم ورسولهم وينقادون لشرع خالقهم، و لا يقدمون عقولهم على كلام ربهم وكلام نبيهم. وهذا الوصف لا ينطبق تمامًا على أصحاب التيار العقلي، ولذا فإن الأولى وصفهم بما وصفهم به السلف (أهل الأهواء) ، فهو أصدق وصف ينطبق عليهم، فهم إنما يتبعون أهواءهم.

ثم نقول لأصحاب هذا التيار العقلي: إن أردتم إقحام العقول في تقسيم الشرع إلى مقبول ومردود، فعقل مَن مِن البشر نحكّم؟ أهو عقل زيد أم عقل عمرو؟ أعقل رجل أم عقل امرأة؟ أعقل متّزن أم عقل صاحب هوى؟! ...

ورحم الله الإمام مالك حيث قال: (أَو كلَّما جاءنا رجل أَجدلُ من رجُلٍ تركنا ما جاء بِهِ جبريل إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء) [1] . ...

(1) رواه اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة، (1/144) . والخطيب في شرف أصحاب الحديث، ص (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت