ومما يجلّي الأمر وضوحًا هو بيان ما يتميّز به العقل السليم الذي وصف الله به المؤمنين، فالكفار قد وصفهم القرآن بأنهم لا يعقلون مع أن فيهم عباقرة مبتكرون، والسبب في ذلك: أن عقولهم معاندة للحق بعد أن عرفوه، والعقل المعاند كالعقل العدمي.
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . [آل عمران: 190،191] .
والألباب: جمع لُبٍّ، وهو العقل، وأولو الألباب هم أصحاب العقول، وذلك لأن الأصل في الإنسان هو العقل الذي هو لُبّه، وإنسان بلا عقل قشور بلا لب [1] .
والعقل السليم هو الذي يمنع صاحبه عمّا لا يليق، عالمًا بما يسعده وينفعه في دنياه وأخراه. ولهذا فالمؤمنون حقًا هم أصحاب العقول السليمة، وأما فغيرهم فقد قال الله تعالى في وصفهم: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} . [الأنفال: 22-23] .
وقال تعالى في وصف اليهود: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} . [الحشر: 14] .
وقال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] .
(1) انظر: معجم مفردات القرآن، ص (466) .