اللهُ الصَّمَدُ. [1]
(1) قولُه: (اللهُ الصَّمَدُ) : قال أبو وائلٍ: الصَّمدُ: السَّيِّدُ الَّذي انتهى سُؤدُده، والعربُ تُسمِّي أشرافَها: الصَّمدَ، لكثرةِ الأوصافِ المحمودةِ للمسمَّى به، قال الشَّاعرُ:
ألا بكَّرَ النَّاعي بخيرِ بني أسدٍ بعمرِ بنِ مسعودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدِ
فإنَّ الصَّمدَ مَن تُصمدُ إليه القلوبُ بالرَّغبةِ والرَّهبةِ، وذلك لكثرةِ خصالِ الخيِرِ فيه. انتهى. وقال عكرمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ: معنى الصَّمدِ: هو الَّذي يصمدُ إليه الخلائقُ في حوائِجهم ومسائِلهم.
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: هو الَّذي لم يلدْ ولم يولدْ، كأنَّه جعلَ ما بعدَهُ تفسيرًا له، وهو تفسيرٌ جيِّدٌ، وقد تقدَّمَ الحديثُ من روايةِ ابنِ جريرٍ عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ في ذلك وهو صريحٌ في ذلك. انتهى. من ابنِ كثيرٍ.
قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمهُ اللهُ تعالى: ومَن قالَ: إنَّ الصَّمَدَ هو الَّذي لا جوفَ له، فقولُه لا يُناقضُ هذا التَّفسيرَ، فإنَّ اللفظةَ من الاجتماعِ، فهو الَّذي اجتمعَتْ فيه صفاتُ الكمالِ ولا جوفَ له، فإنَّما لم يكنْ أَحَدٌ كفوًا له لمَّا كان صَمَدًا كاملًا في صمدانيَّتِه، فلو لم يكنْ له صفاتُ كمالٍ ونعوتُ جلالٍ ولم يكنْ له علمٌ ولا قدرةٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا يقومُ به فعلٌ ولا يفعلُ شيئًا ألبتَّةَ ولا له حياةٌ ولا كلامٌ ولا وجهٌ، ولا يدٌ ولا فوقَ عرشِه ولا يَرضى ولا يغضبُ ولا يُرى ولا يمكنُ أنْ يُرى ولا يُشارُ إليه لكان العَدَمُ المحضُ كفوًا له، فإنَّ هذه الصِّفةَ منطبقةٌ على المعدومِ، فلو كان ما يقولُه المعطِّلونَ هو الحقَّ لم يكنْ صمدًا وكان العدمُ كفوًا له، فاسمُه الأحدُ دلَّ على نفيِ المشاركةِ والمماثلةِ، واسمُه الصَّمدُ دلَّ على أنَّه مُستحقٌّ لصفاتِ الكمالِ، فصفاتُ التَّنزيهِ ترجعُ إلى هذين المَعْنيين: نفيِ النَّقائصِ عنه، وذلك من لوازمِ إثباتِ صفاتِ الكمالِ، فمَن ثبتَ له الكمالُ التَّامُّ انتفى عنه النُّقصانُ المضادُّ له، والكمالُ من مدلولِ اسمِهِ الصَّمدِ.
والثَّاني: أنَّه ليسَ كمثلِه شيءٌ في صفاتِ الكمالِ الثَّابتةِ له، وهذا من مدلولِ اسمهِ الأحدِ، فهذان الاسمانِ العظيمانِ يتضمَّنان تنزيهَهُ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وتنزيهَه في صفاتِ الكمالِ أنْ يكونَ له مُماثِلٌ في شيءٍ منها، فالسُّورةُ تضمَّنَتْ كُلَّ ما يجبُ نفيُه عن اللهِ، وما يجبُ إثباتُه للهِ من وجهَيْنِ: من جهةِ اسمهِ الصَّمدِ، ومن جهةِ أنَّ كلَّ ما نُفِيَ عنهُ من الأصولِ والفروعِ والنَّظيِرِ استلزمَ ثُبوتَ صفاتِ الكمالِ، فإنَّ ما يمدحُ به من النَّفي فلابدَّ أن يتضمَّنَ ثبوتًا، وإلا فالنَّفيُ المحضُ عَدَمٌ محضٌ، والعدمُ المحضُ ليس بشيءٍ، فضلًا عن أنْ يكونَ صفةَ كمالٍ. انتهى مِن كلامِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّينِ بنِ تيميةَ بتصرُّفٍ.