حَيْثُ يَقُولُ: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [1]
(1) قال القسطلانيُّ: وذلك لأنَّ القرآنَ على ثلاثةِ أنحاءٍ: قَصَصٍ، وأحكامٍ، وصفاتِ اللهِ، و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) متضمِّنةٌ للتَّوحيدِ والصِّفاتِ، فهي ثلثُه. قال: وفيه دليلٌ على شرفِ علمِ التَّوحيدِ، وكيف لا والعلمُ يُشْرفُ بشرفِ المعلومِ، ومعلومُ هذا العلمِ هو اللهُ وصفاتُه وما يجوزُ عليه وما لا يجوزُ، فما ظنُّك بشرفِ منزلتِه وجلالةِ محَلِّهِ. انتهى.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على تفاضلِ القرآنِ، وكذلك تفاضلِ آياتِ الصِّفاتِ، وأنَّ علمَ التَّوحيدِ أفضلُ العلومِ، إذ شَرَفُ العلمِ بشرفِ موضوعِه.
وسببُ نزولِ هذه السُّورةِ: هو ما رواه أحمدُ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، أنَّ المشركين قالُوا للنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: انسبْ لنا ربَّك، فأنزلَ اللهُ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وأخرجَه التِّرمذيُّ والطَّبريُّ، فالمُشركون سألوا رسولَ اللهِ عن حقيقةِ ربِّه من أيِّ شيءٍ، فدلَّهم على نفسِه بصفاتِه فلم يجعلْ لهم سبيلًا إلى معرفةِ الذَّاتِ والكُنهِ، فحقيقةُ الذَّاتِ والكُنْهِ غيرُ معلومةٍ للبشرِ، فقال -سُبْحَانَهُ وتعالى: (قُلْ) يا محمَّدُ، لهؤلاءِ المُشركين (اللهُ أَحَدٌ) أي منفردٌ في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِهِ، لا شريكَ له، ولا مثيلَ، ولا نظيرَ، (أَحَدٌ) بمعنى واحدٍ، ولا يُطلقُ هذا اللفظُ في الإثباتِ إلا عليه سُبْحَانَهُ، لأنَّه الكاملُ في جميعِ صفاتِه وأحكامِه، وفي هذا دليلٌ على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، إذ لو كانَ كلامَ النَّبيِّ أو غيرِه لم يقلْ (قُلْ) ففيه الرَّدُّ على المعتزلةِ القائلينَ إنَّ القرآنَ كلامُ محمَّدٍ أو جبريلَ.
قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى: فدلَّ على أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- مُبَلِّغٌ عن اللهِ، فكان مُقتضى البلاغِ التَّامِّ أنْ يقولَ: (((قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ففيه الرَّدُّ على الجهميَّةِ والمعتزلةِ وإخوانِهم ممَّن يقولُ هو كلامُه ابْتدَأَهُ من قِبَلِ نفسِه، ففي هذا أبلغُ ردٍّ لهذا القولِ، وأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بَلَّغَ ما أُمِرَ بتبليغهِ، على وجههِ ولفظهِ، فقيلَ له: (قُلْ) فقال: (قُلْ) لأنَّه مبلِّغٌ محضٌ، فما على الرَّسولِ إلا البلاغُ المبينُ، وفيه دليلٌ على الجهرِ بالعقيدةِ والتَّصريحِ بِها.