وكذلك ما رواه مسلم [1] أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : (( ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قال: قلنا: الرقوب الذي لا يولد له ، قال: ليس ذلك بالرقوب ، ولكنه الرجل الذي لا يقدِّم من ولده شيء ، قال: فما تعدون الصرعة فيكم ؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال ، قال: ليس بذلك ، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب ) )
فمن هذين المثالين يتضح لنا أنَّ الجواب كان معلوما لديهم ، ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم ) أراد أن يرسخ في أذهانهم المعاني الحقيقية لهذه الكلمات والمصطلحات ، ولهذا استخدم أسلوب الإثارة هذا ، ليحثهم على التفاعل والمشاركة ، ومن ثم الإنصات لما سيقوله النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وهذا ما كان .
وهناك نوع من طرح الأسئلة ، وهو أن يكون المخاطب خالي الذِّهن عن الإجابة ، فيكون طرح السؤال عليه من باب تشويقه لمعرفة الإجابة ، ومثال ذلك الحديث الّذي رواه البخاري [2] عن زيد بن خالد قال: (( خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عام الحديبية ، فأصابنا مطر ذات ليلة ، فصلّى لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلاة الصبح ثم أقبل علينا طفقال: أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي ؛ فأما من قال: مُطرنا برحمة الله ، وبرزق الله ، وبفضل الله ، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال: مُطرنا بنجم كذا وكذا ، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي )).
(1) الصحيح: 4/2014 رقم (2608) ، وأب داود في السنن: 4/248 رقم (4779) ، وأحمد في المسند: 1/382 ، وابن حبان في الصحيح: 7/214
(2) الصحيح: 4/1524 رقم (3916) ، ورواه كذلك ابن مندة في كتاب الإيمان: 2/592 رقم (506) .