ومن التقديم والتأخير ؛ تقديم العقوبة على الذنب المتوعد عليه ، وهذا اللون وإن لم يكن له علاقة بمسائل اللغة إلا أنه يقترب من عنوان هذا المطلب وهو: التقديم والتأخير ، وهاهنا أسلط الضوء على أحاديث في الترغيب والترهيب ، التي تتقدم فيها ذكر العقوبة لتشويق السامع وإثارته ليصغي حتى يعرف الذَّنب الذي اقترن بهذه العقوبة التي تقدمته ، ويمكن أن نذكر حديث أبي ذرٍ (( ثلاثة لا يكلمهم الله ) )كمثال على هذا النوع ، حيث إنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قدَّم ذكر العقوبة وهي: لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم ، قبل أن يُبين هذه الأصناف المتوعدة ، مما أثار الراوي وجعله يتساءل عن هؤلاء ، ومن هم ؟ وما هو الذَّنب الذي لأجله استُحقت هذه العقوبة ، وبالتالي حصول المراد من هذا الأسلوب .
ومن هذا القبيل كذلك تقديم نفي الإيمان ، أو إلصاق الكفر ، أو النفاق ، ثم ذكر الأعمال التي لأجلها استحُق هذا الوصف ، كقول النبي (صلى الله عليه وسلم) [1] : (( أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خَلَّة منهن كانت فيه خَلَّة من النفاق حتى يدعها ؛ إذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر ) )
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - [2] : (( والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل: من يا رسول الله ؟ قال: الّذي لا يأمن جاره بوائقه ) )
فنلاحظ في هذه الأحاديث تقديم نفي الإيمان ، أو تقديم إثبات النفاق ، في أسلوب من الإثارة والتشويق ملحوظ لا يخفى على من له اهتمام بهذا الشأن .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: 2/868 رقم (2327 ، و3/1160 رقم(3007) ، ومسلم في صحيحه: 1/78 رقم (58) ،والترمذي في جامعه: 5/19 رقم (2635) ، وابن حبان في صحيحه: 1/488 رقم (254) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: 5/2240 رقم (5670) ، وأحمد في المسند: 2/336 .