الثانية: أن يجرحه بالكذب استقلالًا ، لا اتّباعًا ولا تقليدًا ، ولكن من غير أن يبيّن فيما كذب فيه ولا ما اختلقه من الأحاديث ، وهذا أيضًا باطلٌ لا يُلتفت إليه ، لاتّفاقهم على عدم قبول الجرح المبهم الذي لا يُفسَّر سببه ، ولا يُبيَّن دليله .
فجميع ما قيل في الحارث لا يخلو عن هاتين الحالتين ، فما وجدنا فيه ـ ولله الحمد ـ جرحًا يؤثّر في عدالته ، ويوجب ردّ حديثه .
وأشدُّ ما قيل فيه قول الشعبيّ: «إنّه كذّاب» وقد علمت بطلانه .
وكذلك قول جرير: «كان الحارث زيفًا» لا يفيد شيئًا ، لإبهامه ، فإنّه يحتمل أن يريد به ما أراد الشعبيّ من تكذيبه في مسألة التفضيل ، ويحتمل زيفه في الرواية ، وكلا الأمرين باطل .
أمّا أوّلًا فلما علمتَ من فساد كلام الشعبيّ .
وأمّا ثانيًا فلعدم تفسير الجرح حتّى نعرف الزيْف عن دليلٍ وبصيرةٍ ، فربّما أفصح بالبيان فيكون غير مقبول .
وأمّا قول أبي بكر بن عيّاشٍ: «لم يكن الحارث بأرضاهم» فإنْ سُلّم فهو ظاهرٌ فيما كان يذهب إليه من تفضيل عليّ عليه السّلام ، وهو مع ذلك جرحٌ مبهمٌ مردودٌ كسابقه .
وقول الثوريّ: «كنّا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث» لا يضرّ مطلقًا ، ولا هو من الجرح في قَبيل ولا في دَبير ، فعاصم بن ضمرة ثقةٌ ، وكونه أحسن حديثًا من الحارث لا يدلّ على أنّ الحارث غير ثقة ، بل مقارنته بعاصمٍ تدلّ على كونه ثقة ، وهذا كما تقول مثلًا مالك [34] أحبّ إليَّ من عبدالله بن وهب ، أو أحمد بن حنبل أفضل من ابنه عبدالله ، فإنّ مثل هذا لا يضرّ مطلقًا ، لأنّه من المعلوم أنّ الثقات متفاوتون في الضبط والإتقان ، رغم عدالتهم وعلمهم ومعرفتهم ، وأغلب رواة الصحيح على هذا النمط ، فليسوا كلّهم في روايتهم عن الأصل في طبقةٍ واحدةٍ من الإتقان والضبط .