فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 49

وإذا اعتذروا عن أولئك بكون الجرح غير مفسَّرٍ ـ مع تجريحهم بالكذب والفسق ـ فالاعتذار به عن الحارث أولى ، وأوفق ، وأليق ، وأحقّ ، لاسيّما مع توثيق الأئمّة له مثل يحيى بن معين ، وأحمد بن صالحٍ المصريّ ، وقَبْلهما الشعبيّ ، وبعدهم غيرهم ، بل قال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى يحتجّ بالحارث؟ فقال: ما زال المحدّثون يقبلون خبره ، فهذا صريح في الاحتجاج بخبر الحارث ، وكون عمل أهل الحديث على قبوله ، ولا معنى لقبوله إلّا العمل به ، والاحتجاج بمدلوله .

فصل

بهذا ظهر لك أنّ حديث الحارث صحيحٌ مقبولٌ على رأي جماعةٍ من أئمّة الجرح ، وهو الذي يدلّ عليه عمل الجمهور حيث روى أحاديثه ، وأدخلها في الأبواب .

ولكن ربّما تقول: كيف يكون هذا مع تلك الأقوال التي ذكرتها في جرح الحارث من كذبٍ وغيره ، والتي تقتضي أن يكون حديثه ضعيفًا واهيًا ، لا حسنًا مقبولًا ، فضلًا عن أن يكون صحيحًا؟

والجواب عن هذا واضحٌ سهلٌ ، وسنبيّنه في الفصل الذي بعده .

فصل

قلنا سابقًا: إنّ الطعن في الحارث وجرحه على نوعين:

نوعٌ يقتضي الوضع لتكذيبه ، ونوعٌ يقتضي ضعف الحديث لا غير .

أمّا من جرحه بالكذب فقد بيّنّا في ردّ مقالة الشعبيّ فساده ، والردّ عليه هو الردّ على من جاء بعده ، فإنّ الذي جرحه بالكذب بعد الشعبيّ لا يخرج عن حالتين لا ثالث لهما:

الأولى: أن يكون قلّد الشعبيّ في جرحه له بالكذب واتّبعه من غير أن يعلم مراد الشعبيّ في تكذيبه ، ومن غير أن يعلم أنّ الشعبيّ ـ نفسه ـ أثنى عليه وروى عنه ، ومثل هذا لا يحتاج إلى أن يُلتفت إلى كلامه ، أو يُنظر إليه بعين الاعتبار ، لأنّه ما زاد على أن ردّد كلام الشعبيّ وأعاد ذكره ، فالردّ على الشعبي كافٍ في الردّ عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت