ثمّ بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وتضعيفه ، كحديث الحارث بن عبدالله ، وعاصم بن ضمرة ، وحجّاج بن أرطاة ، ونحوهم إنتهى .
وهذا الاختلاف في حديث الحارث مدفوع بروايتهم لحديثه في الأبواب ، فصنيعهم يدلّ على أنّ العمل استقرّ على تحسين حديثه ، كما هو الحال في حديث عمرو بن شعيبٍ ، وبهز بن حكيم ، فإنّ حديث عمرو بن شعيبٍ اختلفوا فيه بين القبول والردّ ، ومع ذلك استقرّ عمل الكثير على قبوله والاحتجاج به .
وكان ينبغي للذهبيّ أن يشير لهذا لئلّا يوهم أنّ حديث عمرو بن شعيبٍ من المتفق على حُسنه ، مع أنّ الخلاف فيه أشهر من الخلاف في حديث الحارث .
ثمّ إنّنا إذا تركنا هذا جانبًا ، ورجعنا إلى القواعد المقرّرة نجد أنّ حديث الحارث أصحّ وأقوى من حديث عمرو بن شعيبٍ وبهزٍ وغيرهما ، بل نجد الحارث لا يقلّ درجةً عن كثيرٍ من رجال الصحيح ، لأنّنا مادمنا لا نعتبر الجرح المبهم ـ ولو بلغ ما بلغ ـ ولا نأخذ من الجارحين إلّا ما بيّنوه وأقاموا الدليل عليه ، فلا يضرّنا ـ بعد ذلك ـ أن يقال في الراوي: كذّابٌ أو وضّاعٌ ـ إذا كان صحيح الحديث ، ثقةً ـ لاسيّما وفي رجال الصحيح من رُمي بالكذب والوضع ، بل بالفسق وتحريف حديث الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم ، ومع ذلك روي حديثهم في الصحيح ، ولم يجد المدافعون الذابّون عن الصحيح عذرًا عن ذلك إلّا بكون الجرح غير مفسَّرٍ ، مع أنّه مفسَّرٌ في بعضهم تمام التفسير ، ومبيَّنٌ غاية البيان ، لا يبقى معه شكّ في ضعفه ، بل وفسقه ـ كما ستقف على ذلك في الخاتمة إن شاء الله تعالى ـ .