إذا تقرر ذلك فإن ابن آدم قد مَنَّ الله عليه ـ وله الحمد والمنة ـ بقوى كثيرة، كقوة السمع، وقوة البصر، وقوة الدم، وقوة التنفس، وقوة العظم، وقوة العصب، وأعظم من ذلك قوة العقل والإدراك وقوة الحفظ وقوة الذاكرة وقوة البيان، إلى غير ذلك من القوى التي أودعها الله في جسم ابن آدم ولا يحيط بها إلا الله سبحانه، فمن مجموع هذه القوى التي يشد بعضها بعضًا تتكون قوة بن آدم، وبسلامتها يكمل انتفاعه بها وتنعمه بها كما أشار الله تبارك وتعالى إلى ذلك بقوله: { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا } (الإنسان:28) أي خلقهم؛ شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب فسوينا خلقهم وأحكمناه بالقوة، فما حفظت هذه القوى والتمست بركته وقوتها وكمال الانتفاع بها بمثل طاعة الله تعالى وتوحيده واستغفاره وشدة الافتقار إليه؛ لأن العبد بذلك يصبح محبوبًا عند الله تعالى، وقد جاء في الحديث القدسي الصحيح قوله تعالى: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري 292/11. أي يحفظه الله تعالى في هذه القوى فيمتعه بها ويوفقه لاستعمالها في طاعته.