الصفحة 32 من 167

الموضع الأول: ففي جملة:"جئتُ من القريةِ"، كان ضبط الخليل لحالة الهواء في لفظ (القريةِ) بتبيين محلها من السياق على النحو الآتي:

-من: حرف

-القرية: اسم حل بعد (من) مجرورٌ إلى أسفل الشفة هواءُ حرفِهِ الأخيرِ، وعلامة جر الهواء حركة كسر الشفة السفلى الظاهرة على آخر النطق.

ثم قعَّد الخليل أن كل اسم يحل بعد (من) يكون مجرورًا إلى أسفل الشفة هواء حرفه الأخير، فكان اللفظ الأول وهو (من) في سياقه بمنزلة (الوتد) ، وكان اللفظ الثاني وهو (القرية) في سياقه بمنزلة الموتود بالوتد أي المعقود بالوتد والمربوط به، إذ لا يصح الفصل بين اللفظين (من) و (القرية) بل هما متضاممان تضامم حبل الخيمة بالوتد.

بيد أن الخليل كان قد استعار لفظًا آخر غير لفظ الوتد للدلالة على تضامم اللفظين في السياق، ذلك أنه كان قد استعار لفظ (العامل) ، فما هو العامل؟

إن العامل عند الخليل ليس اسم فاعل مشتقًا من الفعل (عَمِلَ) بل هو اسم آلة جامد جاء على وزن اسم الفاعل ومثله (الكاهل) الذي هو اسم آلة جامد جاء على وزن اسم الفاعل، إذًا، فالعامل عند الخليل مصطلح استعاري وليس مصطلحًا اشتقاقيًا، وإنما تجاوز من قال: (إنّ العامل هو المؤثر الذي جلب الحركة) من هذه الجهة، ذلك أنه أجرى لفظ (العامل) على معنى اسم الفاعل من الفعل (عمل) ، وليس هذا بأصل المصطلح.

إن العامل عند الخليل كما سبق هو اسم آلة جامد، وهو ذلك الجزء الذي يلي السنان [1] من الرمح، وهو موضع عقد الراية من الرمح، فكان الخليل أن استعار هذا اللفظ، فسمّى اللفظ الأول من اللفظين المتضاممين وهو حرف (من) سمّاه بالعامل على التشبيه بعامل الرمح الذي عقدت به الراية، وسمّى اللفظ الثاني من اللفظين المتضاممين وهو لفظ القرية سمّاه بـ (المعمول بالعامل) أي المعقود بالعامل والمربوط به، وذلك على التشبيه بالراية المعقودة بالعامل.

(1) العامل: انظر لسان العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت