فهذه المدّة إذًا تتناسب مع حالة الأمة الإسلامية قوّة وضعفًا، فحينما كان المسلمون ضعفاء، كان عهدهم في الحديبية عشر سنين، بينما لم تعدْ هناك حاجة لإطالة هذه المدّة أكثر من أربعة أشهر، بل إنَّ الأربعة أشهر تُعدّ كثيرة، ولا تحتاج إلى زيادة عليها في مثل هذه الحالة من قوّة المسلمين. وهو ما يدل عليه قول الألوسي رحمه الله:"وجَعَلَ المدّة أربعة أشهر، قيل: لأنها ثلث السنة، والثلث كثير" [1] .
خاتمة:
نخلُصُ مما سبق إلى أنَّ ارتباط الأحكام التشريعية ـ سالفة الذكر ـ بفترات زمنية محددة، جاء وِفْقَ تقدير الشارع الحكيم، وقد لمسنا في هذا التحديد الزمني حِكَمًا وأسرارًا رفيعة، يمكن تلخيصها فيما يلي:
1.في تحديد مدّة الإيلاء بأربعة أشهر حفاظٌ على حقوق المرأة، وحماية لها من الأذى، لأنَّ في إبقائها كالمُعلَّقة إضرارٌ بها وتحطيمٌ لكيانها.
2.في تحديد عدّة المطلقة بثلاثة قروء حماية للأنساب من الاختلاط، وإعطاءُ فرصةٍ للزوجين لإعادة النظر في إمكانية إصلاح الخلل القائم بينهما، وصيانةٌ لعقد الزواج من التلاعب فيه أو الاستهانة به.
3.في تحديد عدّة المتوفَّى عنها زوجها بـ «أربعة أشهر وعشرا» حرصٌ على التيقُّن من براءة الرحم، وتخفيفٌ للعَنَت الذي أقامته الجاهلية على المرأة المتوفَّى عنها زوجها.
4.في تحديد عِدَّة اليائس والصغيرة بثلاثة أشهر، وعِدَّة الحامل بوضع الحمل، إزالةٌ لِلّبْس الحاصل في هذا الموضوع. وتحديدُها بالشهور بالنسبة للصغيرة واليائس؛ فذلك لأنَّ أغلب عوائد النساء أنْ يكون كلّ قرءٍ في شهر، وتحديدُها بوضع الحمل بالنسبة للحامل؛ فلأنَّ ذلك أدلّ على براءة الرحم.
5.في تحديد مدة رضاع الطفل بحولين كاملين حفاظٌ على الطفل من الناحيتين الصحية والنفسية، وقَطْعٌ للنزاع القائم بين الزوجين حول مدّة الرضاع.
(1) الألوسي، محمود: روح المعاني، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ر، د.ت) ، ج10، ص46.