أمّا الحكمة في تحديد هذه المدّة الزمنية (أربعة أشهر) ، فهي أن يكون لدى المشركين فُسحة من الوقت للنظر والتفكّر في عاقبة أمرهم، والاختيار بين الإسلام والاستعداد للقتال، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، فإنه ليس لهم بعد هذه المدّة إلا الإسلام أو القتل، فيصير هذا داعيًا لهم إلى الدخول في الإسلام من جهة، أو الاستعداد لخوض الحرب مع المسلمين من جهةٍ أخرى، وذلك لئلا يُنسب المسلمون إلى الغدر، وليعلم هؤلاء أنّ المسلمين غير مكترثين بهم وباستعدادهم في هذه الأشهر [1] .
وفي هذا التأجيل ما يشير إلى عظيم رحمة هذا الدين، خاصةً في ذلك الزمن، حيث لم يكن بين المجتمعات آنذاك إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه، بلا إنذار ولا إخطار، ولا رعاية لعهد، متى سنحت الفرصة."ولكنّ الإسلام هو الإسلام، منذ ذلك الزمان، ذلك أنه منهج الله الذي لا علاقة له بالزمان في أصوله ومبادئه. فليس الزمان هو الذي يرقّيه ويطوّره، ولكنه هو الذي يُرَقي البشرية ويطورها حول محوره وداخل إطاره؛ بينما هو يواجه واقعها المتطور المتغيّر- بتأثيره- بوسائل متجددة ومكافئة لما يطرأ عليها في أثناء تحركه بها قُدُمًا من تطوّر وتغير" [2] .
وإنما حُددت هذه المدّة بأربعة أشهر دون زيادة على هذا الزمن، لقوة المسلمين آنذاك، بخلاف صلح الحديبية ؛ فإنه كان على عشر سنين، لضعف المسلمين آنذاك [3] .
(1) انظر: الطباطبائي، محمد: الميزان في تفسير القرآن، (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط2، 1394هـ/ 1974م) ، ج9، ص148. اطفيش، محمد: تيسير التفسير، (عُمان: منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، د.ر، 1409هـ/ 1989م) ، ج4، ص426.
(2) قطب، سيد: الظلال، ج3، ص1559.
(3) انظر: القنوجي، صديق حسن خان: فتح البيان في مقاصد القرآن، (قطر:دار إحياء التراث الإسلامي، د.ر، 1410هـ/1989م) ، ج5، ص230.