فلما خرج مسلمة من عنده استلقى على فراشه، وجاءت حبابة جاريته فلم يكلمها، فقالت: ما دهاك؟ فأخبرها بما قال مسلمة، وقال: تنحي عني حتى أفرغ للناس، قالت: فأمتعني منك يومًا واحدًا، ثم اصنع ما بدا لك، قال: نعم، فقالت لمعبد: كيف الحيلة؟ قال: يقول الأحوص أبياتًا، وتغني فيها! قالت: نعم، فقال الأحوص: من الطويل
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
إذا كنت عزهاةً عن اللهو والصّبا ... فكن حجرًا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تحبّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
فغنى به معبد وقال: مررت البارحة بدير نصارى، وهم يقرؤون بصوت شجٍ فحاكيته في هذا الصوت، فلما غنته حبابة قال: فعل الله بمسلمة، صدقت، والله لا أطعتهم أبدًا.
وقيل: إن يزيد قال لجاريته حبابة وكان عاشقًا لها شديد الوجد بها، فقال لها يومًا: إني قد وليت فلانًا الخادم ما حوته يدي شهرًا لأخلو أنا وأنت فلا يشغلنا أحد.
فقالت: إن كنت وليته فقد عزلته أنا، فغضب لذلك وخرج من المجلس الذي كان فيه.
فلما أضحى النهار ولم يرها ضاق صدره، وقل صبره، فدعا بعض خدمه وقال: اذهب فانظر ما الذي تصنع حبابة؟ فمضى الخادم ثم رجع فقال: رأيتها مؤتزرة بإزار خلوقي مرتدية برداء أصفر، وهي تلعب بلعبها.