فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 33

فنزلوا فاقترب الرماة فأطلقوا قِسيهم وربطوهما بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر. فقرر أن يموت حيث مات أصحابه، واستشهد حيث أراد.

وانطلقوا بخبيب وزيد رضي الله عنهما وباعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا (وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر في بدر) فحبسوه في بيت إحدى بنات الحارث، فدخلت عليه يومًا فوجدته يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة كلها ثمرة عنب وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا.. ثم بعد ذلك خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل - موضع بمكة - فقال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين لله عز وجل قبل أن تقتلوني.. فأذنوا له وتركوه فركع ركعتين ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. ثم أنشأ يقول:

فلست أبالي حين أقتل مسلمًا

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

ولقد أعدوا من جذوع النخل صليبًا كبيرًا ثبتوا فوقه خبيبًا، وشدوا فوق أطرافه وثاقه.

وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له: أتحب أن محمدًا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك؟ فرد عليه خبيب - رضي الله عنه - بكلمات سطرها التاريخ قائلًا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، ويُشاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشوكة.

ما هذه الكلمات؟! وما هذا الحب؟! وما هذا التفاني والإخلاص؟!.

إنها لبطولة لا يصنعها إلا الإيمان بالله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت