ولعل العسكري أراد أن يقدم عرضًا لفن التشبيه وصوره عند العرب، إذ لم يصر على أدوات التشبيه في الأبيات الشعرية بحيث تبدو كأنها قفول تمسك بأبيات الشعر وتشبيهاته"فالصورة التشبيهية الجيدة تتعدى حدود المقارنة بين شيء وشيء وتتجاوز وجوه التشبيه التي فتن بها البلاغيون، بل تتعدى حدود الاتكاء على استخلاص وجوه مشابهة وتعتمد على الانثيال العاطفي وتدفق الألوان التي تسفح ظلالًا ايحائية حيث تمتح قيمتها من تموجات الشعور. أما إذا لبث التشبيه يحوم على جدار المعمار الفني للقصيدة وظل خانعًا لقبضة الحيل الذهنية والأحابيل الوهمية فإنه قد يثير فنيًا إعجابنا بـ"العقل"الذي يصنع لا العاطفة التي تتدفق" [1] . بيد أن أبا أحمد العسكري قدم أمثلة لتشبيهات أسماها بالتشبيهات العجيبة، ولربما جاءت التسمية لإبراز قدرة الشاعر على الإتيان بالصورة التشبيهية بدون استخدام أدوات التشبيه. يقول:"ومن عجيب التشبيه قوله:"
لعينك يوم البين أسرع واكفًا ... من الغصن الممطور وهو مروح" [2] ."
كما خرج العسكري عن التشبيهات المألوفة عند العرب التي رددها النقاد والبلاغيون من قبل مثل تشبيه الرجل بالأسد، والمرأة بالشمس، حيث قدم أمثلة شعرية فيها صورة تشبيهية من حيث كثرة عناصرها المشكلة لها، إذ يقول:
"وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى، وإن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول: كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، لم تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟، ثم قال: والله لأنشدنك شعرًا يكون لك إمامًا، ثم أنشدني:"
إذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم تلف نسبتها إلا إلى الهولِ
فتى جوادًا أنال النيل نائله ... فالنيل يشكر منه كثرة النيلِ
والموت يرهب أن يلقى منيّته ... في شدةٍ عند لفّ الخيل بالخيل
(1) - عيد، رجاء: فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1979، ص176-177.
(2) - العسكري: المصون في الأدب، ص60.