فهذه المعاني المتواردة بين الشعراء تدل على قدرة العسكري على تتبع المعاني الشعرية، كما تبين الثقافة الشعرية المشتركة بين الشعراء، بيد أن العسكري عاش في القرن الرابع الهجري حيث كانت إشكالية اللفظ والمعنى في أوجها عند النقاد العرب في القرن الرابع الهجري، ولذا فإن سرقة المعاني هي صدى لهذه الإشكالية.
كما نلاحظ أن الصياغات الشعرية لهذه المعاني المشتركة بين الشعراء مختلفة تبعًا لقدرات هؤلاء الشعراء على إعادة إنتاج هذه المعاني في صور شعرية أخرى. ولهذا السبب يلاحظ القارئ أن العسكري ردد كلمة الأخذ أكثر من كلمة السرقة إلى حد كبير وربما يعود ذلك إلى مرجعيته الدينية، وحذره في الكشف عن المعاني المشتركة بين الشعراء، ولا سيما أن هذه المعاني أعيد صياغتها بألفاظ أخرى. ومن ثم فلا يمكن استخدام مصطلح السرقة في هذا الإطار، ولهذا فضل استخدام كلمة الأخذ بدلًا من السرقة، لما للأخيرة من وقع غير مقبول.
6-معيار التشبيه:
لعل المرجعية اللغوية عند أبي أحمد العسكري أثرت في نظرته إلى فن التشبيه. فالتشبيه يدل على البراعة اللغوية من خلال قدرة الشاعر على الإتيان بتشبيهات متعددة في بيت الشعر الواحد، وهذا هو موضع إعجاب اللغويين، لأن كثرة التشبيهات تحتاج إلى قدرة لغوية كبيرة في معرفة المترادفات اللغوية، وكذلك كثرة الأوصاف تحتاج أيضًا إلى مفردات لغوية. ومن هنا، فقد ردّ أبو أحمد العسكري تقسيم القدماء أنواع التشبيه بين التشبيه المتجاوز والتشبيه المصيب. يقول:
"العرب تشبه على أربعة أضرب: تشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه. فمن المفرط قولهم للسخي: هو البحر، وسما حتى بلغ النجم. ثم زادوا في ذلك فمنه قول بعضهم:"
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
وله راحة لو أن مِعشار جودها ... على البرّ كان أندى من البحر