ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته ... عليه ولكنْ ساحة الصبر أوسع" [1] ."
4-معيار النقد اللغوي:
يقوم النقد عند أبي أحمد العسكري على مبدأ النقد اللغوي، وتوجيه المعاني الشعرية توجيهًا لغويًا يعتمد مبدأ شرح الأبيات الشعرية من حيث الكلمات الغامضة، والتفسير اللغوي ثم الاعتماد على الموروث المعرفي من حيث العادات والتقاليد في النظر إلى الأبيات الشعرية وشرحها. يقول:"قال النابغة:"
تجلو بقادمتي حمامةِ أيكةٍ ... بردًا أُسف لثاته بالإثمدِ
كالأقحوان غداة غِبِّ سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى
أراد: تجلو بشفتيها إذا تكلمت أو ضحكت. وشبه شفتيها بقادمتي حمامةً لرقتها. و"أسف لثاثه بالإثمد"كانوا يجعلون الكحل في أصول الأسنان ليشرق السواد مع البياض. وكان ذلك مما يستحسنونه ولا سيما إذا كانت اللثة بيضاء غير حمراء. فكرهوا أن تكون اللثة بيضاء كالأسنان، فغيروها بذلك. ثم قال: كالأقحوان"، رجع إلى وصف الثغر فوصفه بالأقحوان لبياض نوره وطيبه."جفّت أعاليه وأسفله ندى"شبهه بالأقحوان في هذه الحال، وذاك أن الأقحوان إذا كان في غبِّ مطر ولم تطلع عليه الشمس فهو ملتف مجتمع غير منبسط، وكذا كل الأنوار يكره أن يشبّه الثغر به في هذه الحال فيكون كالمتراكب بعضه على بعض، فشبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس فقال:"جفت أعاليه"، يريد انبسطت وذهب تجعدها. وقال:"وأسفله ندٍ"فاحترز من أن يكون جف وذوى كله فقال: وأسفله ندى" [2] .
ولعل المرجعية اللغوية قد فرضت على العسكري هذا التوجه في تفسير الأبيات الشعرية من حيث حل الشعر إلى النثر، ثم توضيح معاني المفردات اللغوية دون الاهتمام بالصورة الشعرية التي تجسد المعنى الشعري، وتجعل من العمل الإبداعي عملًا إبداعيا. يقول العسكري شارحًا البيتين التاليين:"قال أعرابي:"
وبيت ليس من شعر وصوف ... على ظهر المطية قد بنيتُ
ولحمٍ لم يذقه الناس قبلي ... أكلت على خلاء واشتويتُ
(1) - المصدر نفسه، ص14.
(2) - المصدر نفسه، ص86-87.