ونفهم من هذا أنَّ في هذه الليلة ـ وقبل إنفاذ مشورة الحباب بن المنذر ـ كانت هذه الحالة التي يذكرها سبحانه وتعالى عن تلك الطائفة المؤمنة التي شهدت بدرًا، وأنَّ المدد كان مددًا مزدوجًا؛ ماديًا ومعنويًا، فالماء في الصحراء مادة الحياة، فضلًا على أنْ يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أنْ يواجه المعركة، ثم إنَّ هذه الحالة النفسية التي صاحبت الموقف ووسوس بها الشيطان وهي حالة التحرُّج من أداء الصلاة على غير طهر لعدم وجود الماء، ولم يكن قد شرع التيمم، فقد جاء متأخرًا في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة.
وهنا تثور الهواجس والوساوس، ويدخل الشيطان من باب الإيمان ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب. والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها، وهنا يجيء المدد وتجيء النجدة ويتم المدد الروحي بالمدد المادي، وتسكن القلوب بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة، وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسُّك الرمال [1] .
ويستمر الحديث عن نعم الله التي أنعم بها على تلك الطائفة المؤمنة وكل طائفة تنهج نهجها على مر الزمان، فوعد الله حق لا يتخلف، ومن تلك النعم: معية الله سبحانه لأوليائه بالنصر والتأييد، وإيحاؤه إلى الملائكة بتثبيت الذين آمنوا، وإلقاؤه الرعب في قلوب أعدائهم من الذين كفروا.
وأمر جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه ملائكته بالاشتراك مع المؤمنين في ضرب الرؤوس، وجز الرقاب، وقطع الأطراف، وزلزلة قلوب المشركين، ثم كان بيانه لعاقبة أولئك المشركين الذين حادّوا الله ورسوله .
قيل: المراد أنَّه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنَّه تعالى معهم، أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردئًا للمسلمين.
وقيل: المراد أنَّه تعالى أوحى إلى الملائكة أنَّي مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم.
(1) في ظلال القرآن، 3/1485، بتصرف يسير.