أ-حديث إبراهيم عليه السلام القائم على البرهان والتدليل: نسجل من هذا المستوى ثلاثة مواقف، الأول: مع ابنه عليه السلام، في قوله تعالى:"فلمّا بلغَ معه السَّعْيَ قال يا بنيّ إنيَ أرى في المنام أنيّ أذبحك، فانظرْ ماذا ترَى"الصافات/99-102. ؛ حيث يقوم الخطاب في هذه الآية على عرْض الموضوع (الذبح) من إبراهيم عليه السلام (المخاطِب) على سبيل الإخبار لا الطلب، مورِدا دليل خبره، وهو رؤيا منامه، ليكون مقنعا لمخاطَبه (إسماعيل) للاستجابة إلى الطلب. وكان الجواب بفعل طلبي / افعل ما تؤمر/.
هذا على مستوى دليل الخطاب، أما على مستوى بناء الأفعال في الآية، فإن فعل / أرى/ الذي أورده المخاطب، فهو فعل كلامي إنجازي مما ينبني عليه أداء، أما الثاني فهو وصفي، لأن صاحبه في مقام المتلقي.
والثاني مع قومه - عليه السلام- في قوله تعالى:"واتل عليهم نبأَ إبراهيمَ إذ قال لأبيه وقومه ما تعبُدون قالوا نعبدُ أصنامًا فنظلُّ لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذْ تدعُون أو ينفعُونَكم أو يضرُّون قالوا وجدْنا آباءَنا كذلكَ يفعلون"الشعراء/69-72. فقد سألهم - عليه السلام- ما تعبدون؛ سؤالا لا يقوم على معنى الاستفهام الحقيقي، بل يجنح إلى غرض آخر وهو استدراجهم إلى الجواب المعروف سلفا من طرفه. وبعد أن يصدُر الجواب، يقول موردا دليل سؤاله - الذي ما ينبغي أن يصدُر في نظرهم - وهو: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون. وهو دليل كاف، ليجعل المخاطب (قومه) يعرف أن سؤاله الأول قائم بسبب سؤاله الثاني (الدليل) ، وفي هذا استدراج بالغ إلى غرض الخطاب. وسرعان ما يحتدّ الحجاج إلى مستوى آخر في الآيات الموالية.