ومعناه أنَّ كل ما سوى الحق سبحانه فإنه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى ... وإذا كان الأمر كذلك كان مالكًا لجميع الممكنات والكائنات ، موجدًا لجميع الأرواح والأجساد ، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة، وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد فذاك ثابت لأنه سبحانه لما كان مالكًا للكل كان له أن يتصرف في الكل بالأمر والنهى والثواب والعقاب كيف شاء وأراد فصح القول بالتكليف على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى. وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام، وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنه بيَّن أن الموجد إما أن يكون هو الله أو غيره، وعيسى ومريم لا شك أنهما داخلان في هذا القسم، فإذا دللنا أن كل ما سوى الله ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى و مريم عليهما السلام كذلك. ولا معنى للعبودية إلا ذلك فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة، برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت السورة عليها والله أعلم بأسرار كلامه. وحيث كان القرآن مهيمنًا على الكتب السماوية فإن هيمنته على ماسواها من باب أولى وذلك في كل ما يتصل بالشعائر والشرائع والأحكام والآداب والعلوم وحسب القران أن الله تعالى أنزله وهو حافظه { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } (النساء: 82) ، و إذا تقرر هيمنة القرآن على ما سبق من الكتب فإن ذلك يقتضي بالضرورة على كل مكتوب ومقروء من كتب ومؤلفات استقل بها أفراد أو جماعات أو كانت نتاج حضارات ودول على اختلاف الأعصار والأمصار، ومعياريته لها.
ب- تحريف الكتب السابقة: