يقول الشيخ عبد السلام العييري وهو يتكلم عن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وهو يتحدث عن موقف أثر فيه كثيرًا يقول:
ياللعار! أنتم أيها الناس تأكلون وتشربون وتنامون على الفرش الوفيرة وتصغون إلى أصوات المذياع وتتمددون على مقاعد المقاهي وإخوانكم هناك يخوضون في الدم، يا للعار!.
إني لأكتب هذه الكلمة وأنا أبكي ولقد مرت علي أيام شداد ومصائب جسام فما بكيت ولا ترقرقت في مقلتي دمعة، ولكني أقسم بالله العظيم أبكي الآن من أعماق قلبي.
أتدرون لماذا؟.
كنت قاعدًا أشرب بعض الشاي وأشتغل بكتابي الذي أؤلفه فما سمعت إلا ضجة في الدار وكلامًا لم أتبينه ولهجة لم آلفها .
فسألت فإذا في الدار امرأة من فلسطين شريفة غنية من أسرة كبيرة كشفت ملاءة عليها بالية فإذا ليس تحتها شيء وإذا هي عارية ليس على جسمها إلا سراويل وإذا هي قد قصفها الجوع.
وانطلقت تصف ما جرى عليها منذ قتلوا زوجها وأخاها وطفلها إلى أن نجت بالباقين وهي عارية من المال والثياب إلى أن وصلت إلى محطة الشام فتركت أطفالها في المحطة تحت حرارة الشمس ومشت على غير هدى حتى وجدت هذا الباب فولجته.
انطلقت تحكي وأهل الدار يبكون حتى كادت تصير الدار كأنها مناحة، ثم وضعوا بين يديها كل ما يقدرون عليه، ثم ذهبت لا أدري إلى أين ولا أدري ماذا تصنع غدًا ولا الذي بعده، ولا أعلم من معها وماذا جرى لغيرها؟.
فهل في الناس من يعلم ويدري، وهل في الناس من يحب أن يعلم، وهل في البلد مسلم، هل في البلد عربي، هل في البلد إنسان؟!.
سيبكي بعض القراء وينتحب ثم ينام ولا يدفع شيئًا.
سيهز بعض الموظفين أكتافه ويقول: أنا لا أشتغل بالسياسية، ثم يذهب إلى السينما أو البار أو دار القمار.
سيفرك الشيخ كفه ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم يذهب يعد قروشه على سبحته.
سيلوح التاجر بيديه ويقول: التجارة واقفة، ماذا نصنع؟ .