والقصد: إنه ليس معنى الأخذ بالظاهر الأخذُ بظاهرٍ لا باطن له، بل الأخذ بجميع ما يحتمله النص، والأخذ بجميع الدلالات التي تدل على المراد منه، ومن ذلك: دلالة لفظه على معناه تضمّنا ومطابقة ولزومًا، ودلالة السياق، ودلالة الرابطة، ودلالة القرائن، ودلالة نصوص أخرى.
والأخذ بحرفية النص ليس مما يعابُ عند العقلاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) : «لأزيدنّ على السبعين» . ووُجِد في الصحابة من تمسّك بالحرفية، كما جاء في خبر صلاة العصر في بني «الظاهري» هو كلّ متحرّر لم يلتزم بمذهب معينٍ ولا رأي
كثير مما ينسب لابن حزم إفك مفترى، والإجماع عصا الضعفاء
الحكم على المذاهب الاخرى لا يكون من خلال المفردات الشاذّة والأقوال المنكَرة قريظة.
كيف ترد على من يقول: إن مذهب الظاهرية لم ينشأ نتيجة لوجود مُثُل احتواها هذا المذهب، وإنما انتشر لألمعيّة وشهرة وقوة علم ابن حزم؟
-الأخذ بالظاهر موجود منذ أن كان الإسلام، كما سبق. وإنما أصّله داود، ثم جاء ابن حزم وزاده تأصيلا وتجديدًا. وعامّة أهل الحديث كانوا على ذلك، ولا يلجأون إلى القياس إلا حين الاضطرار إليه. وكلّما قلّت بضاعة العالِم من النصوص كان القياسُ لديه أكثرَ من غيره. ولا شكّ أن ألمعية ابن حزم وشهرتَه زادتهُ قوّة وأكثر جمعًا، أعجبَ قومًا وأغضب آخرين، طحَن آراءهم طحن الرّحى بثفالها، وقرعهم بسهام قلمه. ولو ترطّب معهم ولم يسفّه أحلامهم لكان له شأن آخر.
الاصل نبذ التمذهب
يشير الظاهريون إلى أن الشوكاني والألباني ومسلمًا والبخاري والأصفهاني، وآخرين من أتباعهم على المذهب الظاهري. ما هو الدليل الذي يؤكد مزاعمهم؟
-سبق الجواب عن مثل هذا في كلام الشوكاني الذي نقلتُه، فكلّ متحرّر لم يلتزم بمذهب معينٍ ولا رأي آخذٌ بالظاهر. وما تحتمله النصوص من دلالات هو ظاهريّ، وعلى هذا من ذُكروا في السؤال وغيرهم من مشاهير الأئمة، وكثير من أئمة آل البيت. والعصر الآن متّجهٌ إلى التحرّر ونبذ التقليد، ولم يعد يحتمل التعصّب إلى غير معصوم ولا عصمة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدرَك الناس أن إلزام أحدٍ بمذهب معيّن لا يجوز الخروج عنه بحال من الأحوال، كالالتزام بالقوانين الوضعية، وأن التعصّب يفرّق ولا يجمع، ويخالِف بين القلوب ولا يؤلّف بينها.
وقد كان في المسجد الحرام أربعة محاريب، يحرص فيها المنتسب إلى المذهب الشافعي على أن لا يصلّي إلا خلف إمامه الشافعي، وهكذا، الحنفي، والمالكي، والحنبلي، وهكذا، في الجامع الأموي، ولا يزال حتى الآن. والأسعد حظًّا في مثل هذه الحال هو الظاهري الذي لا فرق عنده بين الصلاة خلف مالكي أو شافعي أو حنفي أو حنبلي أو زيدي، أو هادويّ أو إباضي، برٍّ أو فاجرٍ. ولا يتعصّب لغير الحق، فانظروا مَن ذا الذي يَجْهَدُ في ضمّ النشر، ولمّ الشتات، واطّراح الخلاف؟!!
مما يُحسَب للظاهرية شدّتهم في الاستدلال بالإجماع، مع أن دليل الإجماع، وهو قوله تعالى: (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين) ليست ظاهرة في الدلالة كآية القياس. فكيف تردّون؟
-بل هذه الآية أظهر في الدلالة على الإجماع من آية القياس التي بين المحققين من أهل القياس ضعف الاستدلال بها، وليست هذه الآية هي النص الوحيد في باب الإجماع، بل هناك نصوص أخرى، كحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» ، وحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» . وابن حزم نفسه لا يرى الآية المذكورة دالّة على الإجماع، لأن الآية من أولها: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) ، فجعل الوعيد لمن شاقق الرسول. وقد يجتهد العالِم ويخالف الإجماع، ولا يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم بالردّ ولاعناد والهوى، وعدم الاهتبال بقوله، فلا يكون كافرًا ... وبذلك تعلم أن طريقة الاستدلال لدى الظاهرية أعمق مما تتصوّر، وأكبر! وأنّ القول بأنهم حرْفيّون مطلقًا على المعنى الذي يريدون قولٌ ساذج.
يشير البعض إلى أن الظاهرية يواجهون عدم رضا من المذهب السلفي. ما أسباب ذلك، إن صحّ؟ وما نقاط الالتقاء والافتراق مع المذاهب الأربعة؟
(يُتْبَعُ)