وهو كما قال الإمام الشوكاني: أول الفكر آخر العمل، عند مَن رُزِق الإنصاف، وكانت عنده فِطنة لم يَرِدْ عليها ما يغيّرها عن أصلها. وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط، بل هو مذهب أكابر المتقيدين بنصوص الشرع، من عصر الصحابة إلى الآن، وداود واحد منهم .. ثم، قال: وأنت إذا أمعنتَ النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة، وجدتَها من مذهب الظاهر بعينه. بل، إذا رُزِقت الإنصافَ، وعرفتَ العلوم الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حقّ النظر، كنتَ ظاهريا، أي: عاملًا بظاهر الكتاب والسنة، منسوبًا إليه لا إلى داود الظاهري، فإن نِسْبَتَك إليه، ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام، وإلى خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام. انتهى كلامه من كتابه البدر الطالع 2/ 290.
العداء للظاهرية
فما الذي جعل العلماء يقفون من الظاهرية والظاهر هذا الموقف؟
-لم يكن موقف العلماء كلهم موقفا واحدا، بل كان كثير منهم على المسلك ذاته، وإن لم يصرّحوا بأنهم من أهل الظاهر، وعلى ذلك أكابر المجتهدين، كما قال الشوكاني. والذي جعل آخرين منهم ناقدين لهذا المنهج، أو بعض مسائله، أو محذرين منه، أسبابٌ كثيرةٌ منها: مسائل قليلة قال بها داود وابن حزم، أو غيرهما، وأجْرَوها على ظاهر لا باطن لها، وأهملوا من القياس الجلي ما لا يسوغ إهماله، ومنها: ما كان عليه أسلوب ابن حزم - رحمه الله - من الحِدّة في الردّ على المخالف، وترك الملاينة، ومنها: أن المذهب لم يكن مذهبًا يؤكّل العيش، ويرفع الجاه، ويؤهّل لمنصب من مناصب الدنيا، كما كان الحال في المذاهب الأخرى، يتولّى منتحلها الإمامة والفُتيا، ومناصب القضاء. وكان المذهب الظاهري في القرن الثالث والرابع وعقود من القرن الخامس أشهر من المذهب الحنبلي. ومنها: اشتغال ابن حزم بالفلسفة وعلم الكلام اشتغالًا صرفه عن الحق في بعض مسائل الصفات، فذمّه مَن ذمّه بسبب ذلك.
ما ردّكم على من زعم أن ابن حزم جهمي جَلْد، وليس بظاهريّ؟
-هذه لفظة جائرة قالها ابن عبد الهادي، ولم يكن من الراسخين في العلم، مات - رحمه الله - صغيرًا، وإلا فابن حزم يُثبِتُ الأسماء، ولا يقول بخلق القرآن، ويقول بأن الله مستوٍ على عرشه، ولا يقول بالجبر ولا الإرجاء، ولا ينفي القَدَر، ولا يقول بفناء الجنة، ولا يوافق جهم بن صفوان في شيء مما انفرد به، وإنما زلّت قدمه بعد ثبوتها في مسائل الصفات، وافق فيها المعتزلة الذين وافقوا الجهمية، خرج الإمام - رحمه الله - عن تأصيله وموافقته لأهل الحديث في معاني مذهبهم. وعُذر مَن وصفه بهذا الوصف أنّ من بين العلماء من كان يصف من أنكر صفات الله بالتجهّم.
التجني على ابن حزم
في عمليّة تفسير النصوص، تعتمدون على الحرفيّة وليس الظاهرية .. لماذا؟ وكيف؟
-أكثر من يتكلم عن الظاهرية لا يعرف نهجهم ولا تأصيلهم، لأنه لم يمعن النظر في تأصيلهم واستدلالهم، وربما حكم عليهم من خلال مسائل قليلة وقف فيها ابن حزم على الظاهر، حيث لا ينبغي الوقوف. وأكثرُ من يحكم على الظاهرية يحكم على منهجهم من خلال ما يسمعه عن ابن حزم. والمنصفون قليلون، والإنصاف عزيز. وهناك مسائل تُنسَب لابن حزم لم يقل بها. ولا أُحصي كم مرّة ذكر لي بعض طلبة العلم، ومن يُشار إليه بالبنان: أن ابن حزم - رحمه الله - يقول بأن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطًا، نقلا عن ابن القيم. والحقيقة: أن ابن القيم لم ينقل ذلك عنه، بل ذكر كلامًا آخر لابن حزم في مسألة من مسائل الحج، ثم قال: ويُشبِه هذا الخطأ خطأُ من قال: إن الطواف بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطًا. وإلا، فابن حزم يردّ على من يقول بهذا القول بالنصوص والنظر، ويقول: لو كان أربعة عشر شوطا لانتهى السعي بالصفا ولم ينتهِ بالمروة. ومِن أشدّ ما آلمني واحتدم له خاطري، وحملني على الدفاع عن أبي محمد بن حزم: ما بادهني به واحد من الأساتذة في الجامعة بالمدينة، وقال لي: إن ابن حزم يقول: يجوز أن يأخذ الولد العصا ليضرب بها والديه، لكن لا يجوز أن يقول لهما: «أفّ» ، فقلت له: أين قال هذا الكلام؟ قال: قاله ابن حزم، قلت: أين قاله؟ قال: موجود في كُتُبه. ثم أدبر.
وقد أَذْكَرني هذا ببعض أدعياء العلم، سألوه عن مسألة فقال: الجواب في حديث عائشة!!
(يُتْبَعُ)