وغريب كيف استنتج هذا الكاتب عدم فهم أبي هريرة؟ هل استعمل معه مقاييس الحفظ والذكاء؟ أم أنَّ هذا قدح ضمير وتحليق خبير؟ أم أنه إبداع بلا تفكير!!؟.
وما يضر أبا هريرة إذا لم ينتشر صيته في الآفاق، وهل كان وحده كذلك أم أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف وأكثر الصحابة كانوا غير معروفين قبل الإسلام؟ وهل يجرؤ امرؤ أنْ يسلب عدالة هؤلاء وغيرهم لأنَّ شهرتهم لم تطر في مشارق الأرض ومغاربها قبل أنْ يكونوا مسلمين؟. أما أنه يرمي أبا هريرة بالتصعلك فهذا ما لا نرضاه منه ولا من غيره، فإن كان يريد بها ما يفهمه عوام عصرنا، من الدناءة والخِسَّةِ وانحطاط القدر والتطفُّل، فيكون قد حكم عليه من غير دليل ولا حُجَّةٍ، وإنْ كان يريد بها الفقر والفاقة - وهو المعنى اللغوي - فلا داعي لتكرار كلمة (الفقر) ثانية في جملة واحدة، وهذا لا يليق بمن يتصدَّرُ لكتابة والحكم، لأنَّ في الإطالة ما يصدُّ النفس، ويسيء إلى الذوق، والكاتب لا يحب أنْ يجرح أذواق قُرَّائِهِ، لأنه يحب الذوق الفني السليم، فتعيَّنَ أنَّ مراده المعنى الأول، وهو أَمَرُّ وَأَدْهَى.
أجل .. لم يكن أبو هريرة غنيًا، ولا أرستقراطيًا، إنه أحد ملايين الفقراء الذين عاشوا كرامًا رغم الفاقة والحرمان. ومتى كان الفقر رذيلة أو عارًا؟ إننا لم نسمع في عصر من العصور بسقوط عدالة إنسان، أو احتقاره بسبب فقره، وأنَّ مثل هذا الحُكم لا يصدر إلاَّ في بيئة مادية، يعيش أبناؤها مُتْرَفِينَ مُبَذِرِينَ .. أو في مجتمع تحكمت به عادات الأرستقراطية وحفنة أعرافها وتقاليدها ..
وما كنا نظن أنْ يحكم الكاتب على أبي هريرة بالمهانة والازدراي لكونه فقيرًا، لأننا على علم يقين بأنه ليس واحدًا مِمَّنْ ذكرنا، وهو الذي قال في مقدمة كتابه: «إنما يحكم بما أمر الله ورسوله، ويتبع في بحثه الحق» ، فعلى أيِّ أساس بنى حكمه هذا!!؟ أو السُنَّة ما يجعل الفقر عيبًا أو عارًا؟ .. كَلاَّ .. فها هو يجانب المنهج العلميَّ الذي وضعه لنفسه.