فهرس الكتاب

الصفحة 8396 من 27809

(وإسماعيل بن إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام هو الذبيح على الصحيح؛ لا إسحاق، كما يدل عليه ظاهر الآية وتشهد به الأخبار) .

· وقال الفاكهي في (أخبار مكة 5/ 126) :

(ذكر أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام: نقل ذلك من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريق عكرمة عن ابن عباس، ونقل عن مجاهد نفسه، وعن سعيد بن المسيب، وعن سعيد بن جبير، وعن أبي الخلد، وعن عبد الله بن سلام، ولفظه: كنا نقرأ في كتب اليهود أنه إسماعيل، ونقله أيضا عن محمد بن كعب القرظي، وعن سعيد بن جبير، وعن الحسن) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (مجموع الفتاوى 4/ 331) لما سئل عن الذبيح من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو (إسماعيل) أو (إسحاق) ، فأجاب:

(الحمد لله رب العالمين؛ هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء، وكل منهما مذكور عن طائفة من السلف، وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد، ونصر _ أي القاضي _ أنه إسحاق إتباعا لأبى بكر عبد العزيز، وأبو بكر اتبع محمد بن جرير، ولهذا يذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق، وإنما ينصره هذان ومن اتبعهما، ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه.

وذكر الشريف أبو على بن أبى يوسف أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل، وهذا هو الذي رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه؛ قال: مذهب أبى أنه إسماعيل.

وفى الجملة فالنزاع فيها مشهور، لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل، وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة، وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.

وأيضا فإن فيها أنه قال لإبراهيم: اذبح ابنك وحيدك. وفى ترجمة أخرى: بكرك.

وإسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق؛ فتلقى ذلك عنهم من تلقاه، وشاع عند بعض المسلمين أنه إسحاق، وأصله من تحريف أهل الكتاب.

ومما يدل على أنه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات؛ قال تعالى: {وبشرناه بغلام حليم} ، وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} .

وقيل لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} ؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما، {فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} إلى قوله: {وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم إنا كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} .

فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه:

أحدها: أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق} فبين أنهما بشارتان؛ بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق، وهذا بيّن.

الثاني: أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، وفى سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، كما في سورة هود من قوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} ، فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفًا للوعد في يعقوب، وقال تعالى: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشرناه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} ، وقال تعالى في سورة الحجر: {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} ، ولم يذكر أنه الذبيح.

ثم لما ذكر البشارتين جميعا؛ البشارة بالذبيح والبشارة بإسحاق بعده كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح.

ويؤيد ذلك أنه ذكر هِبَته وهبة يعقوب لإبراهيم في قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ولم يذكر الله الذبيح.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت