والجواب: أن دعوى الإجماع على تعذيب أهل الفترة عموما معارض بما ورد في القرآن الكريم من عذرهم بالفترة، وهي نصوص قطعية لا تحتمل التأويل، ومعارض بما جاء في السنة النبوية من أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، ودعوى الإجماع لابد وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة، وأن لا تخالف شيئا من النصوص، وغالبا ما يحكى الإجماع ولا تجد له أصلا، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيز قل أن يثبت.
وأما دعوى الملا علي بن سلطان القاري- الإجماع على أن الأبوين ماتا على الكفر- فهي دعوى عارية عن الصحة، فكيف يحكى الإجماع في زمن متأخر جدا، فوفاته كانت سنة (1014هـ) ، ولا اعلم أحدا ادعى الإجماع قبله، على أن دعوى الإجماع تحتاج إلى تحقيق كما قلت سابقا، فليس كل ما يحكى في الإجماع يجب التسليم له.
والمتأمل في كتابات الملا علي القاري حول حكم الأبوين يجد عنده تناقضا وترددا في مصيرهما، فهو في كتابه (أدلة معتقد أبي حنيفة) يذكر لنا أنهما ماتا على الكفر، ومصيرهما إلى النار، على حين نراه في كتابه (شرح الشفا) للقاضي عياض؛ يقول: (وأما إسلام أبويه ففيه أقوال: والأصح إسلامهما، على ما اتفق عليه الأجلة من الأئمة، كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة) . أهـ.
وقال في الكتاب نفسه: (وأما ما ذكروه من إحيائه عليه الصلاة والسلام أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة) . أهـ.
وفي كتابه (مرقاة المفاتيح) يذكر لنا أن مذهب الجمهور على أن والديه صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر.
وهذا التناقض من القاري يوجب التوقف في دعواه الإجماع، إذ لو كان ثمة إجماع لما تردد في مصيرهما.
وعلى التسليم بثبوت الإجماع فهو محمول على أن حكمهما في الدنيا حكم من مات على الشرك، من عدم جواز الاستغفار لهما ونحو ذلك، ولا يجوز حمله على القطع بأنهما من أهل النار، لما علمت من أن هذا القطع لم يثبت به دليل صحيح صريح حتى يصار إليه.
فإن قلت: فهذا ورقة بن نوفل مات في الفترة وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان أهل الفترة يجب التوقف فيهم لما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
والجواب: أن أهل الفترة كما ذكر محمد بن خليفة الأبي على أقسام: قسم عندهم بقية إنذار من الأمم السابقة، كمن سافر أو سمع شيئا عن الأديان السابقة، وهؤلاء قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، وليسوا بأهل فترة؛ لأن أهل الفترة هم الغافلون، كما سيأتي.
وأصحاب هذا القسم منهم من التزم بالدين الذي سمع به فتحققت له النجاة، كورقة بن نوفل، ومنهم من رفض أو غير وبدل فاستحق الهلاك؛ كابن جدعان، وعمرو بن لحي.
وأما القسم الثاني من أهل الفترة: فهم الغافلون، الذين لم يسمعوا بشيء من تلك الأديان، ولم يبعث فيهم رسول ينذرهم ويحذرهم، وهؤلاء معذورون بجهلهم وغفلتهم، وقد نص تعالى على عذرهم بسبب غفلتهم حيث قال: [لتنذر قوما ما انذر آباءهم فهم غافلون] ، وأبان في آية أخرى أن الغفلة موجبة لرفع العذاب في الدنيا فقال: [ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون] ، فإذا كان تعالى لا يهلكهم في الدنيا إلا بعد الإنذار والإعذار، فمن باب أولى أن لا يعذبهم في الآخرة إلا بعد إنذارهم، والله تعالى أعلم.
ـ [قطرة] ــــــــ [16 - Feb-2010, مساء 11:44] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم، لكن لدي سؤال هل هذا البحث مطبوع في كتاب، وأرجو أن تدلوني على كتب أخرى تخدم هذا الموضوع.