وعلى ذلك يحمل ما نقل عن الأئمة من الكتم، قال بعضهم: ليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق ولله در القائل:
فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًَا أضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ
وقال الخليل لأبي عبيدة لا تردن على معجب فيستفيدَ منك علمًا ويتخذَك عدوًّا.
ثم ذكر ما يتمهر به الطالب في فن الحديث وهو التأليف فقال:
.... ثُمَّ إِذَا أَهَّلَتْ صَنِّفْ تَمْهَرِ
601 -وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ ...
(ثم إذا) أتقنت طلبه على الوجه الذي تقدم و (أهلت) بالبناء للمفعول يقال: أهله لذلك تأهيلًا، وآهله بالمد: رآه أهلًا ومستحقًا، أو جعله أهلًا لذلك. اهـ"ق"و"تاج"أي إذا صُيِّرْتَ مستحقًا، ومتعلقه محذوف أي للتصنيف.
فـ (ـصنف) في علم الحديث والتصنيف أخص من التأليف لأنه جَعْلُ كلِّ صنف على حِدَةٍ بخلافه فإنه مطلق الضم فهو أعم ممن التصنيف ومن التخريج، وهو إخراج المحدث الأحاديث من بطون الكتب وسياقها من مروياته أو مرويات شيخه أو أقرانه، ومن الانتقاء وهو التقاط ما يحتاج إليه من الكتب، ولكن يستعمل كل منها مكان الآخر، أفاده السخاوي رحمه الله. (تمهر) مجزوم بالطلب، كسر للوزن، أي تصير ماهرًا في علم الحديث، ويقال: مهر في العلم وغيره يمهر بفتح الهاء فيهما مهورًا ومَهَارَة فهو ماهر، أي حاذق، عالم بذلك، قاله في المصباح.
والمعنى: أنك إذا تأهلت للتصنيف صَنِّف لأنك تتمهر به، قال الخطيب في جامعه: قلما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبينُ الخفيَّ من فوائده إلا مَنْ جَمَعَ متفرقة وألف متشتته وضم بعضه