بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38] فقال السكاكي1: شفع"دابة"بـ"في الأرض"، و"طائر"بـ"يطير بجناحيه"لبيان أن القصد بهما إلى الجنسين2. وقال الزمخشري: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة3 كأنه قيل:"وما من دابة قَطُّ في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه".
واعلم أن الجملة قد تقع صفة للنكرة، وشرطها أن تكون خبرية؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلم يستقِمْ أن تكون إنشائية مثله؛ وقال السكاكي4: لأنه يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف؛ لأن الوصف إنما يُؤتَى به ليُميز به الموصوف مما عداه، وتمييز المتكلم شيئا من شيء بما لا يعرفه له محال، فما لا يكون عنده محققا للموصوف يمتنع أن يجعله وصفا له بحكم عكس النقيض5، ومضمون الجمل الطلبية كذلك؛ لأن الطلب يقتضي مطلوبا غير متحقق لامتناع طلب الحاصل، فلا يقع شيء منها صفة لشيء، والتعليل الأول أعم؛ لأن الجملة الإنشائية قد لا تكون طلبية6 كقولنا:"نعم الرجل زيد، وبئس الصاحب عمرو، وربما يقوم بكر، وكم غلامٍ ملكتَ؟ وعسى أن يجيء بشر، وما"
1 المفتاح ص101.
2 أي: لا إلى العدد.
3 أما أصل التعميم فمستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، والزيادة لدفع احتمال إرادة دواب أرض واحدة أو طيور جو واحد، وجعل الاستغراق حقيقيا في جميع الدواب والطيور. ولا يخفى أن كلام السكاكي يؤول إلى ذلك أيضا؛ لأنه عند قصد الجنس يكون الاستغراق حقيقيا.
4 المفتاح ص100, 101.
5 أي لقوله:"يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف".
6 لا يخفى أن الجملة الإنشائية غير الطلبية كالإنشائية الطلبية فيما ذكره السكاكي، ولا معنى للتطويل بهذه المماحكات اللفظية في هذا العلم، ولا سيما أن ما ذكره من ذلك الشرط من مسائل علم النحو.