فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 280

يَكُنْ لَهُ قَضِيَّةٌ خُلِّيَ عَنْهُ. وَتُقَدِّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُسْرِفُوا فِي الأَدَبِ وَلا يَتَجَاوَزُوا بِذَلِكَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَضْرِبُونَ الرَّجُلَ -فِي التُّهْمَةِ وَفِي الْجِنَايَةِ- الثَّلاثَمِائَةٍ وَالْمِائَتَيْنِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ. ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلا مِنْ حَقٍّ يَجِبُ بِفُجُورٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَعْزِيرٍ لأَمْرٍ أَتَاهُ لَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَيْسَ يُضْرَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا بَلَغَنِي أَنَّ وُلاتَكَ يَضْرِبُونَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَن ضرب الْمُصَلِّين1.

الْعدْل مَعَ من أَخطَأ:

حَدثنَا بعض أشياخنا عَن هَوْذَة بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضَرْبِ الْمُصَلِّينَ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضَرْبِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ حَدٌّ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الضَّرْبَ، وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي أَنَّ وُلاتَكَ يَفْعَلُونَهُ لَيْسَ مِنَ الْحُكْمِ وَالْحُدُودِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ يَجِبُ مِثْلُ هَذَا على جَانِبي الْجِنَايَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة. من كَانَ مِنْهُمْ أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ قَوْدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ تَعْزِيرٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ جِرَاحَةً فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ قِيسَ جُرْحُهُ وَاقْتُصَّ مِنْهُ إِلا أَنْ يَعْفُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالأَرْشِ وَعُوقِبَ وَأُطِيلَ حَبْسُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً ثُمَّ يُخَلَّى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ. إِن الْأجر ي إِقَامَة الْحُدُود عَظِيم وَالصَّلَاح يه لأهل الأَرْض كثير.

القَوْل فِي إِقَامَة الْحُدُود والشفاعة فِيهَا:

قَالَ أَبُو يُوسُف حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلاثِينَ صَبَاحًا".

وَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُحَابِي فِي الْحَدِّ أَحَدًا وَلا تُزِيلُهُ عَنْهُ شَفَاعَةٌ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخَافَ فِي ذَلِكَ لَوْمَةَ لائِمٍ؛ إِلا أَنْ يَكُونَ حَدٌّ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ فَإِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ شُبْهَةٌ دَرَأَهُ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الآثَارِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَقَوْلِهِمْ"ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ2 وَالْخَطَأُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعُقُوبَةِ، وَلا يحمل إِقَامَة حد على من"

1 أَي الْمُسلمين.

2 أَي إِذا كَانَ هُنَاكَ شُبْهَة فِي إِقَامَة الْحُدُود تخفف من إِقَامَة الْحَد فَخُذُوا بهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت