فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 6210

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْوَاوُ، قَدْ تَجِيءُ لِلْإِبَاحَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَالَسَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَانَ مُمْتَثِلًا؟ فَفُذْلِكَتْ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ الْإِبَاحَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا تُتَوَهَّمُ الْإِبَاحَةُ هُنَا، لِأَنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا هُوَ سِيَاقُ إِيجَابٍ، وَهُوَ يُنَافِي الْإِبَاحَةَ وَلَا يُنَافِي التَّخْيِيرَ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ قَدْ يَكُونُ فِي الْوَاجِبَاتِ.

وَقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ:

فَتِلْكَ عَشَرَةٌ: ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعْتُمْ، وَعُزِيَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ، وَلَا يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْهُ، وَنُنَزِّهُ الْقُرْآنَ عَنْ مِثْلِهِ، وَقِيلَ: ذَكَرَ الْعَشَرَةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ السَّبْعَةَ مَعَ الثَّلَاثَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ «1» أَيْ مَعَ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ «2» .

وَقِيلَ: ذَكَرَ الْعَشَرَةَ لِزَوَالِ تَوَهُّمِ أَنَّ السَّبْعَةَ لَا يُرَادُ بِهَا الْعَدَدُ، بَلِ الْكَثْرَةُ، رَوَى أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنِ الْعَرَبِ: سَبَّعَ اللَّهُ لَكَ الْأَجْرَ، أَيْ: أَكْثَرَ، أَرَادُوا التَّضْعِيفَ وَهَذَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ، فَلَهُ سَبْعٌ، وَلَهُ سَبْعُونَ، وَلَهُ سَبْعُمِائَةٍ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَبْعِينَ مَرَّةً «3» هُوَ جَمْعُ السَّبْعِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلْكَثْرَةِ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنِ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ عَشَرَةٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّ ثُمَّ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ السَّبْعِ، فَأَزَالَ الظَّنَّ.

وَقِيلَ: أَتَى بِعَشَرَةٍ لِإِزَالَةِ الْإِبْهَامِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ تَصْحِيفِ الْخَطِّ، لِاشْتِبَاهِ سَبْعَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَقِيلَ:

أَتَى بعشر لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْكَمَالَ مختص بالثلاثة المضمومة فِي الْحَجِّ، أَوْ بِالسَّبْعَةِ الَّتِي يَصُومُهَا إِذَا رَجَعَ، وَالْعَشَرَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالْكَمَالِ، وَالْأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.

قَالَ الْحَسَنُ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ فِي سَدِّهَا مَسَدَّ الْهَدْيِ فِي المعنى لذي جُعِلَتْ بَدَلًا عَنْهُ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الْغَرَضِ وَالتَّرْتِيبِ، وَلَوْ صَامَهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّرْتِيبِ لَمْ تَكُنْ كَامِلَةً، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ لِمَنْ لَمْ يَتَمَتَّعْ.

وَقِيلَ: كَامِلَةٌ، تَوْكِيدٌ كَمَا تَقُولُ: كَتَبْتُهُ بِيَدِي، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ «4» قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ، يَعْنِي: فِي التَّأْكِيدِ زِيَادَةُ تَوْصِيَةٍ بِصِيَامِهَا، وَأَنْ لَا يُتَهَاوَنَ بِهَا وَلَا يُنْقَصَ مِنْ عَدَدِهَا، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: إِذَا كَانَ لَكَ اهْتِمَامٌ بِأَمْرٍ تَأْمُرُهُ بِهِ، وَكَانَ منك بمنزلة:

(1) سورة فصلت: 41/ 10.

(2) سورة فصلت: 41/ 9.

(3) سورة التوبة: 9/ 80. []

(4) سورة النحل: 16/ 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت