الصفحة 593 من 611

على فضيلة العدد غنما هو محاولة واضحة من ابن الأثير، للظهور بمظهر من يعرف المنطق والحساب، ويبدو ذا حظ من الثقافة الأجنبية - حينئذ - رغم عدم اطلاعه عليها.

الجمهور مرجع في الحكم ومصدر للمعاني

وما دام عمل الأديب والناقد هو الحركة الدائبة في البحث عن المعنى، فإن"الجمهور"ليس هو المرجع الأخير في الحكم وحسب، بل إن ذلك الجمهور من أهم مصادر المعاني، وفي سبيل المعاني نزل ابن الأثير المستكبر المتشامخ إلى طبقات الشعب وإلى الأسواق والدكاكين يبحث عنها، لان الأديب في نظره"يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وإلى ما يقوله المنادي في السوق" (1) ، ومن أجل هذا نراه يقف على المعانيب الدائرة في العامة، كما يعبرون بها، غذ يقولون مثلًا"أقلع عينك بعينك"؟ من حديث النساء على المعازل - ومثل"إذا ظهر اسمك فالق منجلك"- وهو من أحاديث الحصادين (2) -، غير أن هذا الالتفات كان نظريًا في معظمه، إذ كان ابن الأثير شديد الحساسية ضد الابتذال والتكرار، أو ضد الألفة الحادثة عنهما في المعاني، ومثل هذه الألفة اغلب على ما يتناقله الناس في أحاديثهم اليومية.

المعنى المبتدع معيار الإجادة وهو أهم من الصورة الشعرية

"المعنى المبتدع"- هو المحور في كل هذه الحركة الدائبة، سواء حين يكون المرء أديبًا أو ناقدًا، ولذلك لا نستغرب أن يكون ابن الأثير الناقد شديد الانجذاب إلى المعاني الذهنية، وان يفضلها على"الصور"الشعرية؛ وها هو حين يدعو إلى المفاضلة بين المعاني المتباعدة يقابل بين صورة من شعر امرئ القيس:

(1) المثل السائر: 73.

(2) الاستدراك: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت