على قيمة الصراع في خلق الحركة النقدية من الأندلس نفسها، فإن أبرز النقد الذي تكون فيها غنما كان صراعًا بين الشاعر والمعلم أو بين ابن شهيد وطبقة اللغويين.
وإذا كان الشعر المشرقي بحاجة إلى مقاييس نقدية تنظم الأخذ، فإن الشعر الأندلسي أشد حاجة إلى ذلك، لأن عملية النمو فيه، في كل عصر، كانت تعتمد على الدفقات الجديدة التي تنساب في عروقه آتية من المشرق.
المجالات الكبرى للنقد في الأندلس
فإذا كان النقد الأندلسي نتاج هذا كله، فلا غرابة ان نجده يدور في مجالات: الدفاع عن الأندلس وأدبها، اللجوء إلى حمى الأخلاق، التشبث بالصورة، قوانين الأخذ والسرقة، وأن يكون بعد هذا ولأجل هذا نفسه باهتًا، حتى انه إذا تجاوزنا دنيا الأمثلة الجزئية لم يجد إلا القواعد النظرية المشرقية، متخليًا عن العمق لأنه يكره الفلسفة، قليل التشكل بصورة متكاملة تستدعي تأليفًا مستقلًا.
ابن شهيد وابن حزم طليعة الحركة النقدية
ولعل اعظم اثنين تمرسا بالنقد في القرن الخامس، وربما ظلًا اعظم من نلقاهما في تاريخ النقد هنالك، هما ابن شهيد وابن حزم، وكانا صديقين يلتقيان على بعض شئون الحياة ثم يفترقان كل في سبيل: كلاهما أرستقراطي المنبت، ذهبت الفتنة البربرية بمجد أبيه واهله، فهما يحبان قرطبة ويحنان إلى ماضيها، ويتراءى لهما هذا الماضي بأخيلة العصور الذهبية ومرابع الصبا فيكتب كل منهما ترجمته الذاتية، وكل منهما معجب بما لدى صاحبه من ملكات، شاعران افترقت بهما الطريق: فأما ابن حزم فغاص في لجة الصراع المذهبي متوجهًا إلى الآخرة متنقلًا في البلدان الأندلسية، يجمع حوله التلامذة لينفرهم من التقليد والقياس ويدرس ويناقش ويحتد في المناقشة، ويدعو إلى الفلسفة