طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة"."
وأخرج البخاري في الصحيح من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه".
والأحاديث في فضل العلم وفضل حَمَلَته وفضل الراغبين في طلبه أكثر من أن تُحصر في مثل هذه الحلقة الموجزة، وقد بسط أهل العلم رحمهم الله تعالى الكلام في العلم وفي فضله في مصنفاتٍ خاصة خصوا بها هذا الشيء بكلامٍ جميلٍ جدًّا وأوردوا في ذلك من الآثار والأحاديث والآيات الشيء الكثير.
ومن تأمّل هذه الآيات الكريمات والأحاديث الشريفات أدرك أنّه لا بد للعاقل أن ينتبه لعمره وأن يعلم أنّ هذا العمر القصير وهذه المحطة التي هو فيها -هذه الدنيا الفانية- حريٌّ بالعاقل أن يشمِّر عن ساعد الجد والاجتهاد وأن يلحق بالرعيل الأول وأن يسير على منوالهم وأن يشرب ويرد ذلك النبع الذي ورده القوم وأن لا يتعلق بسوف ولعل وعسى فتمضي أيامه وتكون عليه حسرات فإنّ هذه الدنيا إنما هي ساعة، كما قال بعض السلف: الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.
فالعاقل لا بد أن يشمِّر في هذا الباب وأن يجتهد أن يكون له نصيبٌ وإن كان قليلًا من هذا العلم الشرعي، ولهذا سُئِل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل الذي قد قُرِّب للقتل ولم يبق من عمره إلا ساعة في أي شيءٍ يصرفها؟ قال عِلمٌ يتعلّمه، قيل يا أبا عبد الله إنه لا يعمل به، قال: تعلمه أفضل من العمل به.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنّ طلب العلم خيرٌ من صلاة النافلة وصدقة التطوع، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في كتابه (الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع) فقال رحمه الله تعالى في نظمه:
والعلم خيرٌ من صلاة نافلة * * فقد غدا الله برفقٍ كافله
فيا أيها المسلمون في كل مكان ويا شباب أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، شمِّروا للعلم الشرعي واجتهدوا، وأخصُّ بهذه الدعوة إخواني المجاهدين في الثغور، أخصُّهم أن يولوا العلم عنايةً بالغة وأن يعطوه ولو نصيبًا قليلًا من وقتهم وأن لا يتكاسلوا عن طلب العلم الشرعي؛ خاصةً من منحه الله عز وجل عقلًا وذكاءً وكان مؤهلًا لطلب العلم الشرعي؛ فليس من العقل والإنصاف أن يضيع نفسه في ما لا فائدة فيه فيكون حاله كما قال القائل:
أتطلب من تحب وأنت جارُ * * وتتركهم وقد بعد المزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقًا * * وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضور * * وترجو أن تخبرك الديار
فنفسك لُم ولا تلم المطايا * * ومت كمدًا فليس لك اعتذار