الصفحة 14 من 20

وأخرج أيضًا الشيخان من حديث أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها"-وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم"ما يتبين فيها"-"يلقى الله عليه غضبان"، وفي رواية:"يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا"وقد أخرج هذه الرواية الترمذي في جامعه وفي لفظها:"إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفا"نسأل الله السلامة والعافية.

فعلى المسلم الذي يحرص على الاستقامة ويبحث عن أسباب الاستقامة أن يتحفظ من كلمات.

ومن هنا إخوة الإيمان كان أئمة الهدى ومصابيح الدجى يتحفظون من ألفاظهم ويخافون من شر هذا اللسان، وقد أخرج مالك في الموطأ أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على صِدِّيق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه فوجده آخذًا بلسان نفسه وهو يجبذه فقال له عمر رضي الله عنه: مه غفر الله لك، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: هذا الذي أوردني الموارد.

وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: اللسان أمير الأعضاء فإن عفّ عفّت الأعضاء وإن جنى جنت.

وقد ذكر أيضًا مالك رحمه الله في الموطأ من بلاغياته أنّ عيسى عليه السلام قال للحواريين: يا معشر الحواريين لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب ويبعد العبد عن ربه. وقد روي هذا الكلام من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي بسندٍ ليس بذاك القائم.

وفي الختام: يحسن بنا أن نقدم نصيحةً لكل مسلم ولكل مجاهدٍ في سبيل الله وكل عالمٍ وكل صادقٍ من هذه الأمة أن يتحفظ على كلماته، وأخص بهذه النصيحة الذين يتلقفون أخبار المجاهدين وأخبار المصلحين من وسائل الإعلام التي غالب هذه الأخبار يفتقد إلى الصحة والثبوت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما عند أحمد من حديث ابن عباس-:"بئس مطية الرجل زعموا"، ويقول كما في الصحيح:"كفى بالرجل كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، وفي روايةٍ:"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع". فأنصح هؤلاء الذين حُرِموا من نعمة النفير للجهاد في سبيل الله عز وجل أنصحهم نصيحة المشفق المحب لإخوانه أن لا يجمعوا بين كبيرة القعود عن الجهاد في سبيل الله عز وجل وكبيرة الوقيعة في أعراض المسلمين، وما بالك إذا كانت هذه الأعراض أعراض المجاهدين في سبيل الله عز وجل الذين باعوا أنفسهم وأموالهم وهجروا الديار نصرةً لله عز وجل -نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا من عباده-.

وهذا اللسان حريٌّ بطالب الاستقامة والباحث عن الاستقامة أن يوظفه في ذكر الله عز وجل، أن يوظفه في الكلمة الطيبة كما قال صلى الله عليه وسلم:"والكلمة الطيبة صدقة"، أن يوظفه في بث العلم بين الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ومن سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة"ويقول -كما عند الترمذي وأحمد وابن حبان-:"وإنّ الملائكة لتصلي على معلم الناس الخير"، أن يوظفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت