فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 7489

يقول السائل: هل يعتبر التحاكم إلى غير شرع الله كفرًا مع العلم بأنه يعتقد اعتقادًا منافيًا للشك بأن أحكام الشريعة الإسلامية هي أفضل من الأحكام الوضعية؟ نرجو بهذا التوجيه مأجورين.

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال يتبين بالآتي: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، خلق الجن والإنس ليعبدوه، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) . وعبادة الله سبحانه وتعالى هي التذلل له حبًا وتعظيمًا بإقامة شرائعه القلبية واللفظية والعملية. ثانيًا: يقول الله عز وجل: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) . فلا حاكم بين العباد إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يحل لأحد أن يفصل هذه القضية عما وجهنا الله فيه نحوها: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله لا إلى غيره. ثالثًا: يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) . فتأمل هذه الآية الكريمة تجد أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله وليست مستقلة، ولهذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل: أطيعوا أولي، الأمر وهذا يدل دلالة ظاهرة على أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ولا يمكن أن تكون مستقلة، كما أن الله تعالى يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) . لم يقل: ردوه إلى القانون الفلاني أو القانون الفلاني أو الرأي الفلاني أو النظرية الفلانية أو ما أشبه ذلك، بل لا مرد إلا إلى الله ورسوله، إلى الله إلى كتابه وإلى رسوله إلى سنته صلى الله عليه وسلم، فإن كان حيًا فإليه نفسه، وإن كان ميتًا فإلى ما حفظ من سنته صلى الله عليه وسلم. رابعًا: قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) . فأقسم الله سبحانه وتعالى بربوبيته لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهي ربوبيةٌ خاصة لا تساويها أي ربوبية بالنسبة للعباد؛ لأنه كلما كان الإنسان أعبد لله كانت ربوبيه الله له أخص، ومن المعلوم أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله، وعلى هذا فإن الله أقسم بهذه الربوبية الخاصة المضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن أحد إلا بهذه الشروط: الشرط الأول: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) لا يحكموا غيرك. الشرط الثاني: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) بل تتسع صدورهم لذلك وتنشرح صدورهم به، فلا يجدوا حرجًا وضيقًا مما قضيت. والثالث: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ينقادوا انقيادًا تامًا، وبهذا أكد الفعل بالمصدر بقوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) إذا عرفت هذه الأمور الأربعة تبين لك أن خروج الإنسان عن التحاكم إلى الله ورسوله خلاف ما خلق الله العباد من أجله، وخلاف ما أرشد الله أن يكون التحاكم إليه، وخلاف ما جعل الله تعالى لولاة الأمور من الطاعة، وخلاف تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت