وكذلك إذا أصاب المسلمين قحط وجذب وأشرف على الهلاك جمع فعلى الأغنياء سد مجاعتهم ويكون ذلك فرضًا على الكفاية يحرج بتركه الجميع ويسقط بقيام البعض به التكليف، وذلك ليس على سبيل الإقراض، فإن الفقراء عالة على الأغنياء ينزلون منهم منزلة الأولاد من الآباء، ولا يجوز للقريب أن ينفق على قريبه بالإقراض إلا إذا كان له مال غائب فكذلك القول فيما نحن فيه.
فهذا وجه المصحلة وهو من القطعيات التي لا مرية في اتباعها إذا ظهرت، ولكن النظر في تصوير المصلحة على الوجه الذي قررناه. فأصل أخذ المال متفق عليه عند العلماء وإنما الاختلاف في وجوب تعيين الاستقراض وفيما ذكرناه من التفصيل ما يشفي الغليل». شفاء الغليل (ص 112 - 116) .
قد أطلنا النقل عن الغزالي وأبقينا كلامه على حاله لما فيه من الأبحاث النفيسة والجواب عن الاعتراضات الواردة والإمعان في إظهار وجوه المصلحة في المسألة المبحوثة فيها فجزاه الله خيرًا وأجزل له المثوبة.
ولاستيعاب الغزالي المسألة من أطرافها لم يجد أبو اسحاق الشاطبي (790 هـ) رحمه الله بدًا إلا أن يلخص ما ذكره الغزالي في الشفاء ويحيل على كتبه.
قال رحمه الله: «وإذا قدرنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار وخلا بيت المال عن المال وأرهقت حاجات الجند إلى ما يكفيهم فلإمام إذا كان عدلًا أن يوَظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار أو غير ذلك كي لا يؤدي تخصيص بعض الناس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلًا من كثير بحيث لا يجحف بأحد ويحصل الغرض المقصود، وإنما لم ينقل مثل ذلك عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا فإن القضية فيه أخرى، ووجه