وهذه القبيلة من بني كنانة، أشهر من ذُكر فيها مَن ذكرنا، لأجل مسيرته التاريخية. والذين يظنون أن المقدمة الأولى لا فائدة منها فذلك غير صحيح، لكنها صعبة لأنها مصورة على طريقة التصوير في الليل. ففي المقدمة ذكر أسامة بن منقذ رواية حياته، وكيف جرت، وأن والده كان أمير القلعة فتنازل لأخيه، وقد ظلمه عمه، وكنت وأنا أقرأ الكتاب أبحث عن صوت رجل مكلوم أو صوت رجل حاقد، أو غاضب، فما وجدته في كلام أسامة البتة، بل بقي بارّا به معجبًا بشجاعته!.
وأسامة معناه الأسد، وقد كان فنَّانًا في صيد الأسود.
وكانت جدته صاحبة فِطنة وحذَّرته لما صاد يومًا أسدًا فجاءته بالليل تحمل السراج، وكان يظنها جاءت لتهنئنه على شجاعته في صيد الأسد، فقالت له:"مالك تُعرِّض نفسك وفرسك لقتل أو مهلكة، إن ما تفعله يغيظ عمك!"، وهذه تذكرني بكلمة ابن حزم في (مداواة النفوس) :"إياك أن يعرف عدوُّك منك النَّباهة"، فأفضل طريقة لصرف العداوة هي التَّغابي، وهي خصلة من علمائنا السلف.
فبعد أن أخرجه عمه ذهب إلى الموصل، مكث مدة مستشارًا لحاكمها، ثم ذهب إلى دمشق، ومنها إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق مرة أخرى ناصحًا ومقاتلًا ومجاهدًا مع آل زنكي، ثم استقر به المقام مُعتزلًا الناس جالسًا في بيته عاكفًا على الكتب، وله كتب أدبية رائعة منها كتاب (المنازل والديار) الذي حقَّقه الأستاذ أحمد شاكر صاحب تحقيق (كتاب مسند الإمام أحمد) .
ومما يفيدنا هذا الكتاب كيفية تربية مجتمع الإمارة لأبنائهم، يبين لنا هذا الفارس كيف كان والده يعلّمه، فأخبر أنه ما نَهَره ولا مرَّة في حياته، إلا مرة واحدة رآه قد جاء الأسد من وجهه فقال له:"يا مجنون لا تأتِه من وجهه"!، اليوم الولد إذا صعد السلم احذر أن تقع أو أن تنكسر، لا تذهب .. فينشأ الولد عنده رهبة وخوف.
سنذكر قصة عجيبة أنه رأى أفعى عظيمة فوق البيت، فذهب وأحضر السلم ووضعه وصعد، والظاهر أنها أفعى قاتلة بالضغط وليست سامة، وقتلها بالسّكين ووالده ينظر إليه وما صرخ فيه، فقارنوا حياتهم بحياتنا!.
ومن أشد من تأثر به والده، وقد علمنا زهد هذا الرجل حيث ترك الملك لأخيه، ورأينا عبادته حيث كان ينسخ القرآن ويتبرَّع به، فلما سأله أسامة كم نسخت من القرآن؟ فأخبره أنه سيعرف عندما يموت، فكل مسطرة -أي خشبة- داخل الصندوق بمقدار نُسخة، وكان والده يحفظ القرآن، فلما مات وجدوا عدد المساطر 43 مسطرة، أي أنه نسخ القرآن 43 بخط يده وهو