فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 715

وأذكر لكم تجربة شخصية، قرأت كتاب (البداية والنهاية) عدة مرات قراءة كاملة، لا تقل عن ثلاث مرات، أما أن أعود إليه مرة بعد مرة لأجل قضايا تاريخية فهذه لا يمكن حصرها، وأذكر أنني لما قرأته أول مرة أصبت بحالة من الإحباط لا يعلم بها إلا الله!؛ لأن صاحب الكتاب حصر تاريخ الأمة في الحكام والخلفاء والأمراء.

أنا أتكلم عن الانطباع كقارئ يريد أن يرى التاريخ، نعم هو يهتم بقضايا الحروب الكبرى بين أهل الإسلام أنفسهم، وبين أهل الإسلام وخصومهم، ولكن المحور الذي يدور حوله الحديث في التاريخ إنما هو الملوك والخلفاء، وهذه كما يقول الأستاذ محمد قطب -ومن بركة العلم أن يُنسب لصاحبه-:"نحن نستطيع أن نفتخر بكل جوانب الحضارة في تاريخنا إلا الجانب السياسي وهو الجانب الدَّموي الأسود"!، وفي الحقيقة أحب أن أضيف عليه كلمةً لا بد منها: أن هذا السَّواد في تاريخ أمتنا مما يتعلق بالجانب السياسي هو أطهر بكثير في هذا الجانب من الأمم الأخرى.

فلو قارنا هذا الصراع السياسي بين الخلفاء والسلاطين والملوك في تاريخ أمتنا، وفي الأمم الأخرى لوجدنا هنا بياضًا وهناك السواد!

ما أريد أن أقوله قاله الأستاذ علي الطنطاوي، وله كتاب لا بد أن يُقرأ وهو كتاب (قصص من التاريخ) ، في بدايته يقول أستاذ الجيل المربِّي -رحمه الله- فيما معناه: أن الذين كتبوا التاريخ لأمتنا كتبوا تاريخ القصور والكبار والعلماء المشهورين، لكنهم لم يدخلوا حواري الناس ولا العوام ولا الأزِقَّة وغير ذلك.

وأنت عندما تقرأ تاريخ الملوك لا تستطيع أن ترى حياة الناس وحركتهم العلمية، حتى أن صاحب (البداية والنهاية) يختزل كثيرًا من تاريخ العلماء بوفياتهم، فتحتاج أن تقرأ كتبًا أخرى لتعلم حياة العالِم وشأنه.

يقول الأستاذ علي الطنطاوي: فأردت أن أدخل الكتب لأستخرج من تلك الجوانب المظلمة شيئًا من حياة الناس، فهي جوانب مضيئة وعظيمة. فذهب وصنع هذا الكتاب (قصص من التاريخ) ، وصاغه على طريقة إمام هذا العصر في ذلك الفن وهو الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، ممن أبرزه ولم يسبِقه إليه سابق، صاحب بكارة هذا الفن.

إذا ذهبت إلى (وحي القلم) ، من الأمور التي تجدها أنه يأتي إلى نص في كتب التاريخ لا يتعدَّى السطر أو السطرين أو الثلاثة، مجرَّد خبر، تقرأه أنت قراءة سريعة، وهو يصنع منه القصة الحقيقية التي يتخيَّلها!، على طريقة القُصَّاص اليوم، فهذه امتدادات القصة للخبر، استطاع الرافعي أن يملأها بما علم من الجوانب الحياتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت