وعلى المعلم النصح للمتعلم، وترغيبه بكل ما يقدر عليه، وأن يصبر على عدم إدراكه، أو سوء أدبه، مع ملاحظته في كل ما يقوِّمه ويحسن أدبه؛ لأن المتعلم له حق على المعلم، حيث أقبل على العلم الذي ينفعه وينفع الناس، وحيث كان ما يحمله عن معلمه هو عين بضاعة المعلم، يحفظها وينميها ويتطلب بها المكاسب الرابحة، فهو الولد الحقيقي للمعلم، الوارث له، فالمعلم مثاب على نفس تعليمه، سواء فهم أو لم يفهم، فإن فهم وأدرك كان أجرًا جاريًا للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلًا، وهذه تجارة عظيمة لمثلها فليتنافس المتنافسون. فعلى المعلم إيجاد هذه التجارة وتنميتها، فهي من عمله وآثار عمله، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} [يس: 12] ، فما قدَّموه: هو ما باشروا عمله. وآثارهم: ما ترتب على أعمالهم من الخير الذي عمله غيرهم.
آداب المتعلم
وعلى المتعلم أن يوقِّر معلمه، ويتأدب معه؛ لما له من الحق العام والخاص:
أما العام: فإن معلم الخير قد استعد وباشر نفع الخلق، فوجب حقه عليهم؛ لكونه يعلمهم ما جهلوا، ويرشدهم إلى كل خير، ويحذرهم من كل شرٍّ، ويحصل به من نشر العلم والدين، وتسلسل ذلك النفع في الموجودين، وفيمن يأتي من بعدهم، وهذا النفع ليس له نظير من الإحسان.
وأما حقه الخاص على المتعلم: فلما بذله من تعليمه، وحرصه على كل ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات، وقد بذل صفوة وقته، وجوهر فكره، في تفهيم المسترشدين، وإفادة الطالبين، وصبر على ذلك بطيب نفس وسماحة، وإذا كانت الهداية الدنيوية، والإحسان الدنيوي، يوجب لصاحبه حقًا كبيرًا على من وصل إليه إحسانه، فما الظن بهدايا العلوم النافعة الكثيرة، الباقي نفعها، العظيم وقعها.
وليجلس بين يديه متأدِّبًا، ويظهر غاية حاجته إلى علمه، ويكثر من الدعاء له حاضرًا وغائبًا، وإذا أتحفه بفائدة غريبة فَلْيُصغ إليه إصغاء المضطر إلى عقلها والانتفاع بها.